فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 181

وردت ستة نماذج على هذا النوع من العدول، وقع البحث على ثلاثة منها وهي: العدول عن التبتُّل إلى التبتيل، والعدول عن التقبّل إلى القبول، والعدول عن التقوّلات إلى الأقاويل، وهذه النماذج تُعبّر عن سرّ العدول عن التفعّل إلى غيره من الصيغ غير المقيسة عليه.

1 ـ العدول عن التبتُّل إلى التبتيل:

قال تعالى مخاطبًا النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في بداية البعثة: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} (سورة المُزّمِّل / 8) .

يلحظ في الآية مجيء {تَبْتِيلا} معدولًا به عن المصدر المقيس للفعل (بتّل) وهو (التَبَتُّل) ، وقد جاء اختيار هذه العبارة الدقيقة للإشعار بأَنّ (التبتل) وهو الإنقطاع إلى الله - عز وجل - بالعبادة، هو المقصود بالذات أولًا، ثم جاء ذكر (التبتل) وهو التصرف والانشغال بالعبادة ثانيًا للإشعار أنه لابُدّ منه ولكنه مقصود بالغرض [1] . وليس المقصود الإتيان بـ (تبتيلًا) ؛ لأن معنى تبتّل بَتَّل نفسه، مراعاةً لحقّ الفواصل [2] . ولكنّ المقصود معنويّ أَشار إليه ابن القيّم:"ومصدر تبتَّل إليه (تَبُتّل) كالتعلم والتفهم ولكن جاء على (التفعيل) مصدر (فعّل) لسِرّ لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلف والتعمّل والتكثر والمبالغة. فأَتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال الآخر فكأنه قيل: بتّل نفسك إلى الله تبتيلًا وتبتّل إليه تبتُّلًا فَفُهم المعنيان من الفعل والمصدر" [3] . وفيه ملحظ تربوي وهو الجمع بين معنى التدرج في صيغة (تبتل إليه) ، والتكثير في صيغة (تبتيلًا) "إذ الأصل أن يتدرج الإنسان من القلّة إلى الكثرة والمعنى أحمل نفسك على التبتّل والانقطاع إلى الله في العبادة شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى الكثرة"

(1) ينظر: التفسير الكبير: 30/ 178.

(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 19/ 30.

(3) التفسير القيم، ابن قيّم الجوزية: ص 501 ـ 502؛ وينظر: التعبير القرآني، د. فاضل السامرائي:

ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت