فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 181

3 ـ العدول عن التواعد إلى الميعاد:

قال تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}

(سورة الأنفال / 42) .

نزلت في معركة بدر، يخاطب فيها الله - عز وجل - المؤمنين بأَنّه"لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه، أنتم أيّها المؤمنون وعدوكم من المشركين، عن ميعاد منكم ومنهم {لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} لكثرة عدد عدوكم، وقلّة عددكم، ولكنّ الله جمعكم على غير ميعاد بينكم وبينهم {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا} وذلك القضاء من الله كان نصرُه أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله، وهلاك أعدائه وأعدائكم ببدر بالقتل والأَسر" [1] . فالخلاف الحاصل سيكون في الميعاد أي لاختلفتم في زمان القتال، حتى وإن"أعلم كل منكم الآخر بالخروج للقتال {لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ، أي لتخلّفتم عن الميعاد أي المواعدة أي التواعد بمعنى أنكم لم توفوا بما أعلمتم به بل تتخلفون عن الخروج، فالميعاد معناه التواعد" [2] ، والميعاد في اللغة: المواعدة ووقتها ومكانها [3] . وبذلك يتبين أنّ الاختلاف يكون في زمان المواعدة، وليس الاختلاف في أنهم يتواعدون أم لا يتواعدون، ولذا قيل: إنّهم لو تواعدوا القتال بعدما عَلِم كلُّ طرفٍ حالَ الطرف الآخر لحدث الاختلاف في الميعاد هيبة من العدوّ ويأسًا من الظفر عليهم [4] .

إذن فالعدول عن التواعد إلى الميعاد للدلالة على أن المراد زمان الوعد، لا حقيقة التواعد، فالمراد زمان وقوع الحدث، وهو التواعد، لاوقوع الحدث مجردًا من الزمان؛ ولذا ورد بصيغة (الميعاد) الدالة على توكيد زمان الوعد، إذ لم يأتِ في القرآن الكريم إلاّ للدلالة على الزمان [5] .

(1) جامع البيان: 13/ 565.

(2) حاشية الجمل: 1/ 246.

(3) مختار الصحاح: ص 700؛ وينظر: اللسان: 4/ 478.

(4) ينظر: روح المعاني: 10/ 7.

(5) ينظر: سر الاعجاز في تنوع الصيغ المشتقة من أصل لغوي واحد في القرآن، د. عودة الله منيع

القيسي: ص 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت