ـ العدول عن المستعتبين إلى المعتبين:
ورد نموذجٌ واحدٌ في هذا النوع من العدول في القرآن الكريم، وهو العدول عن اسم المفعول من (استعتب) ، إلى اسم المفعول من (أعتب) .
قال تعالى: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ} (سورة فصّلت /24) . وهذا عدول عن القياس، قال الطبري:"وإن يسألوا العُتبى، وهي الرجعة لهم إلى الذي يُحبون بتخفيف العذاب عنهم {فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ} يقول: فليسوا بالقوم الذين يُرجع بهم إلى الجنة، فيخفف عنهم ما هم فيه من العذاب" [1] . أي أن (يَسْتَعْتِبُوا) تدل على السؤال والطلب وهو بمعنى طلب العُتبى وهي الرجوع، إذ إنّ صيغة (استفعل) تدل على الطلب، ومعنى (المُعْتَبِين) : لم يُعتبوا، أي: لم يُعطوا العُتبى [2] . قال أبو حيان:"وإن طلبوا العُتبى وهي الرضا فما هم ممّن يُعطاها ويستوجبها" [3] .
والعَتَبُ في اللغة: كل مكان نابٍ بنازلةٍ، ومنه قيل: للمرقاة، ولأسكفّة الباب، عَتَبَةٌ، ثُمَّ استعير العَتْبُ والمَعْتبَةُ: لغلظةٍ يجدها الانسان في نفسِه على غيره، وأصل اشتقاقه من (العَتَب) ، فيقتال: أَعْتَبْتُ فلانًا، أي: أظهرتُ له الغِلظة التي وجدت في الصدر، وأعتبتُه حَمَلْتُه على العَتب، ويقال كذلك، أعتبته: أزلتُ عَتَبَهُ عنه نحو: أشكيتُه، أي: أَزلتُ عنه شكواه [4] . فلمّا كان العَتْب بهذا المعنى انتقل إلى معنى الرضا، فيكون معنى (استعتب) : طلب الرضا، و (أَعْتَبَ) : رَضي، أي أُزيل عَتَبُه. فيقال: استعتب طلب أن يُعْتَب، ومنه قيل: استعتبته فأَعتبني، أي: استرضيته فأرضاني [5] . فيكون معنى الآية إنْ"يطلبوا زوال العَتْب، وهو المؤاخذة بالذنب {فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} أي المرضيين الذين يُزال العَتْب عنهم ليُعفى عنهم ويُترك عذابهم" [6] ، وبذلك يتبين سر العدول عن (المستعتبين) إلى المعتبين مع أنّه القياس، وهو اختلاف دلالتي كل من (استعتب) و (أَعتب) ، ففي الأولى دلالة الطلب، وفي الثانية دلالة الإزالة، فلمّا كان المراد: إن يسألوا العُتبى وهي رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب، فما هم
(1) جامع البيان: 24/ 110.
(2) ينظر: الكشاف: 4/ 196؛ والتفسير الكبير: 27/ 118؛ وتفسير البيضاوي: 4/ 117.
(3) البحر المحيط: 7/ 493.
(4) ينظر: المفردات: ص 600.
(5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 15/ 231.
(6) نظم الدرر: 17/ 174.