[1] . وهنا تكمن فائدة العدول وهي تضمين معنى الفعلين وذلك عن طريق المجيء بالمصدر معدولًا به عن القياس،"فالسالك إلى الله لا غنى له عن تكلف التبتّل ومحاولته ليحمل نفسه عليه لثقله عليها أول أمره، ولابد من إكثار التبتّل ومحاولته حتى تعتاده النفس وتطاوع له" [2]
2 ـ العدول عن التقبّل إلى القبول:
قال تعالى في قصة (مربم) (عليها السلام) : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} (سورة آل عمران / 37) .
وذلك بعد أن نذرت امرأة عمران ما في بطنها لله، وبعد أن وضعتها أنثى قال تعالى: {إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (سورة آل عمران / 35) .
ويلحظ إخراج المصدر على غير لفظه، إذ القياس (فَتَقَبَلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ) ، والعرب تأتي بالمصادر على أصول الأفعال وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة [3] . وقد ذكر الزمخشري في (قَبول) وجهان: أحدهما أن يكون اسم ما تقبل به الشيءَ كالسَّعُوط لما يُسْعَطُ به؛ والثاني: أن يكون مصدرًا على تقدير حذف المضاف، أي: فتقبلها بذي قبول أي بأمرٍ ذي قبول، في كلا الوجهين يكون المعنى الاختصاص، وهو: إقامتها مقام الذكر في النذر [4] . والصحيح أن (قَبَول) مصدر (قَبِل) وهو مذهب سيبويه في أَنَّ هناك خمسة مصادر جاءت على وزن (فَعُول) وهي: قًبُول، وطَهُور، ووَضُوء، ووَقُود، ووَلوُغ. ولكنّ الراجح أنه عدول عن المصدر المقيس
(تقبُّل) إلى مصدر الثلاثي (قَبِل) لإرادة الإشارة إلى معنى صيغتي (تَفَعَّل) و
(فَعَل) ، ففي معنى (التفعّل) دلالة على شدة اعتناء الفاعل بإظهار الفعل، يقال: تصبّر أي: جَدّ واجتهد في إظهار الصبر، وكذلك (التقبُّل) يدل على المبالغة في إظهار القبول [5] . قال الرازي:"فإن قيل لِمَ لَمْ يقل: فتقبلها ربُّها بتقبّل حَسَنٍ حتى تصير المبالغة أكمل؟ والجواب أن لفظ التقبّل وإن أفاد ما ذكرنا إلاّ أنه يفيد نوع تكلف"
(1) التعبير القرآني، السامرائي: ص 35.
(2) الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم، هنداوي: ص 167.
(3) ينظر: جامع البيان: 6/ 344.
(4) ينظر: الكشاف: 1/ 357.
(5) ينظر: التفسير الكبير: 8/ 29.