فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 181

حضور عنصر الذات أي أنَّ هناك ذاتًا تُمَزَّق، والمُمَزّقُ مصدر ميمي مثل المسرَّح في قول جرير [1]

أَلَمْ تَعْلَمي مُسَرَّحي القوافي ... فلا عيًّا بَهِنَّ ولا اجتلابا

وأجاز الزمخشري أن يكون الممزق مكانًا على اعتبار أن معناه:"ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع، وما مرَّت به السيول فذهبت به كلَّ مذهب، وما ساقته الرياح فطرحته كل مطرح" [2] .

هذا فضلًا عن أنَّ التعبير بالمصدر يفيد المبالغة في التقطيع والتفريق بعد الموت في كل ما من شأنه أن يمزق جسد الإنسان من التراب والرياح وطول الزمان تمزيقًا عظيمًا، بحيث لم يبقَ شيء في أجسادهم مع شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز ترابه من تراب الأرض، هذا زيادة على ما ذهبت به السيول كل مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدًا بعضه عن بعض [3] . ومعنى المبالغة متأتٍ من الدلالة اللغوية للتمزيق الذي يعني"تفكيك الأجزاء المتلاصقة بعضها عن بعض بحيث تصير قِطَعًا متباعدة" [4] . مع ما يوحيه التمزيق من شناعة في التفريق، وعلى هذا المعنى يُفسر قوله تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (سورة سبأ / 19) ، أي إن سَبَأ لما دعوا هذا الدعاء تفرقوا وتمزقوا، قال القرطبي:"قال الشعبي*: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأسد بعُمان، وخزاعة بتهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ **،أي مذاهب سبأ وطرقها" [5] . فدلالة العدول عن التمزيق إلى الممزّق هي الإشارة إلى ذات مفرّقة فضلًا عن معنى بلوغ نهاية التمزيق، قال أبو السعود:"وفي عبارة التمزيق الخاص بتفريق المتصل وخرقه من"

(1) ديوان جرير: ص 66.

(2) الكشاف: 3/ 568؛ وينظر: حاشية الجمل: 3/ 461.

(3) ينظر: نظم الدرر: 15/ 451.

(4) التحرير والتنوير: 22/ 149.

* وهو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري، وكنيته أبو عمرو، راوية من التابعين،

يضرب المثل بحفظه، وهو من رجال الحديث الثقات، ينظر: الأعلام: 3/ 251.

** يُضرب هذا المثل في كل تفرّق لجماعة لا اجتماع له، ينظر: مجمع الأمثال، الميداني: 1/ 275؛

والمستقصى في أمثال العرب، الزمخشري: 2/ 89.

(5) الجامع لأحكام القرآن: 14/ 186، والأسْد لغة في الأزْد، ينظر: لسان العرب: 4/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت