"فامتثلت الصَّحَابَة حينئذٍ - الَّذين هم خير قُرُون هَذِه الْأمة،بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - فحفظوا عَنهُ أَحْوَاله (وأقواله) وأفعاله،امتثالًا لأَمره،وابتغاء ثَوَابه وأَجره ."
ثمَّ فعل ذَلِكَ بعدهمْ التابعون وتابعوهم،قبيلًا بعد قبيل،وجِيلًا بعد جيل،تلقوا ذَلِكَ عَنْهُم،واستفادوه مِنْهُم - رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وعنهم .
لَكِن دخل فِي ذَلِكَ قوم لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن،وَلَا جَرْيَ لَهُم فِي هَذَا الميدان،فأخطئوا فِيمَا نقلوا وحَرَّفوا،وَرُبمَا وضعُوا،فَدخلت الآفة من هَذَا الْوَجْه،وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالسقيم،والمجروح بالسليم،فَحِينَئِذٍ أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ - وَله الْحَمد والمِنَّة - طَائِفَة كَبِيرَة من هَذِه الْأمة،هم نُجُوم للدِّين وعَلَمٌ للمسترشدين،فدوَّنوا التصانيف (المبتكرة) ،المبسوطة والمختصرة،ونظروا فِي رجالها - جرحا وتعديلًا،وانقطاعًا ووصلًا - بِالنّظرِ التَّام،وبذلوا وسعهم فِي ذَلِكَ،وَقَامُوا بِهِ أحسن قيام،أعظم الله أَجرهم،وَلَا خَيَّب سعينا وسعيهم .
وهم (مستمرون) عَلَى ذَلِكَ مدى الدهور والأعوام،من زَمَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا والذهاب،بإخباره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهِرينَ عَلَى الحقِّ،لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم،حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ» .
فَكَانَت هَذِه الطَّائِفَة كَمَا وَصفهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنهُ، (مُرْسلا من جِهَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري) ،وَمُسْندًا من جِهَة أبي هُرَيْرَة،وَعبد الله بن عَمْرو - كَمَا رَوَاهُمَا الْعقيلِيّ .قَالَ عبد الْحق:وَالْأول أحسن . ونَازَعَه ابْن الْقطَّان،وَفِيه وَقْفَة،فقد سُئل أَحْمد عَنهُ،فَقَالَ صَحِيح: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه،يَنْفُون عَنْه تَحْرِيف الغالين،وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْن،وَتَأْوِيل الجاهِلِيْن» .
وَمَنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَى هَذِه الطَّائِفَة بِالْحِفْظِ الوافر،كالبحر الزاخر" [1] ."
وقال الحافظ ابن حجر:
(1) - البدر المنير - (ج 1 / ص 257)