فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 340

سبق. فالآن وقد شاء اللّه أن يعهد بالوراثة إلى الأمة المسلمة،وقد أبى أهل الكتاب أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم - وهو الإسلام - فيشاركوا في هذه الوراثة ..

الآن يجيء تحويل القبلة في أوانه. تحويلها إلى بيت اللّه الأول الذي بناه إبراهيم. لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة. حسيها وشعوريها،وراثة الدين،ووراثة القبلة،ووراثة الفضل من اللّه جميعا.

إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة:الاختصاص والتميز في التصور والاعتقاد والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة. وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص. وقد يكون الأمر واضحا فيما يختص بالتصور والاعتقاد ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة .. هنا تعرض التفاتة إلى قيمة أشكال العبادة.

إن الذي ينظر إلى هذه الأشكال مجردة عن ملابساتها،ومجردة كذلك عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها ..

ربما يبدوله أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئا من التعصب الضيق،أو شيئا من التعبد للشكليات! ولكن نظرة أرحب من هذه النظرة،وإدراكا أعمق لطبيعة الفطرة،يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار.

إن في النفس الإنسانية ميلا فطريا - ناشئا من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب - إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة. فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ أولا تستقر حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس وبذلك يتم التعبير عنها. يتم في الحس كما تم في النفس. فتهدأ حينئذ وتستريح وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغا كاملا وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان.

وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها. فهي لا تؤدى بمجرد النية،ولا بمجرد التوجه الروحي. ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا:قياما واتجاها إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت