القبلة وتكبيرا وقراءة وركوعا وسجودا في الصلاة. وإحراما من مكان معين ولباسا معينا وحركة وسعيا ودعاء وتلبية ونحرا وحلقا في الحج.
ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم .. وهكذا في كل عبادة حركة،وفي كل حركة عبادة،ليؤلف بين ظاهر النفس وباطنها،وينسق بين طاقاتها،ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص.
ولقد علم اللّه أن الرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادث بالمنحرفين عن الطريق السليم. فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز محسوسة مجسمة من حجر وشجر،ومن نجوم وشمس وقمر،ومن حيوان وطير وشيء .. حين أعوزهم أن يجدوا متصرفا منسقا للتعبير الظاهر عن القوى الخفية .. فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة،مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة. فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى اللّه بكليته .. بقلبه وحواسه وجوارحه ..
فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى اللّه الذي لا يتحيز في مكان وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان! ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه .. فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد كما أنه بدوره ينشىء شعورا بالامتياز والتفرد.
ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم،التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات. كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة. وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم،وعقلية عن عقلية،وتصورا عن تصور،وضميرا عن ضمير،وخلقا عن خلق،واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه.