وليس للمسلم أن يتلقى إلا من اللّه. وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب. وما ليس من عند اللّه فهو الهوى بلا تردد.
وإلى جانب هذا الإيحاء الدائم نلمح كذلك أنه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين،في غمرة الدسائس اليهودية وحملة التضليل الماكرة،تستدعي هذه الشدة في التحذير،وهذا الجزم في التعبير.
وبعد هذه الوقفة العابرة نعود إلى السياق فنجده لا يزال يقرر معرفة أهل الكتاب الجازمة بأن الحق في هذا الشأن وفي غيره هو ما جاء به القرآن،وما أمر به الرسول. ولكنهم يكتمون الحق الذي يعلمونه،للهوى الذي يضمرونه: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ،وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» ..ومعرفة الناس بأبنائهم هي قمة المعرفة،وهي مثل يضرب في لغة العرب على اليقين الذي لا شبهة فيه
فإذا كان أهل الكتاب على يقين من الحق الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه هذا الذي جاء به في شأن القبلة،وكان فريق منهم يكتمون الحق الذي يعلمونه علم اليقين .. فليس سبيل المؤمنين إذن أن يتأثروا بما يلقيه أهل الكتاب هؤلاء من أباطيل وأكاذيب. وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئا في أمر دينهم،الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين.وهنا يوجه الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» ..ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ما امترى يوما ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» .. قال: «لا أشك ولا أسأل» ..
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه - صلى الله عليه وسلم - يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين.سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم،ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم.
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير ونحن - في بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - في أمر ديننا،ونتلقى عنهم تاريخنا،ونأمنهم على القول في تراثنا،ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم