فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 340

-صلى الله عليه وسلم - وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله،واشتمال رسالته على هذه المقدسات،وارتباط رسالته بها جميعا. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.

ووصف المسجد الأقصى بأنه «الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ» وصف يرسم البركة حافة بالمسجد،فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل:باركناه. أو باركنا فيه. وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب.

والإسراء آية صاحبتها آيات: «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التي لم يبرد فيها فراش الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيا كانت صورتها وكيفيتها .. آية من آيات اللّه،تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري،والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس،الذي كرمه اللّه وفضله على كثير من خلقه،وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة .. «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» .. يسمع ويرى كل ما لطف ودق،وخفي على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار.

والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح للّه: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا» إلى صيغة التقرير من اللّه: «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» إلى صيغة الوصف للّه: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» وفقا لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس. فالتسبيح يرتفع موجها إلى ذات اللّه سبحانه. وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصا.

والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية. وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت