فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 186

الإسلام، بينما الأحاديث القليلة الأخرى إما أنها لا تصح أو أنها قيلت لأشخاصٍ عَجزوا عن الجهاد فقيلت لهم لتعويضهم [كأم هانئ وكبر سنِّها، وقصة ذهب أهل الدثور] ، أو في ظروفٍ زمانية أو مكانية تَحُول بينهم وبين الجهاد، فهي فتوى لا حكم، ألا ترى أن تلاوة القرآن في الجملة أفضل من الأذكار المعروفة، لكن الذكر دبر الصلوات أفضل من تلاوة القرآن.

قال السيوطي في"الديباج": [يُجمَع بأن اختلاف الجواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص وحاجة السائل إليه؛ فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا ولا يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه وفي جميع الأحوال، بل في حالٍ دون حالٍ، ... أو يُحْمَل على تقدير مِن، كما يقال: فلان أفضل الناس، ويراد من أفضلهم، كما وَرد (خيركم خيركم لأهله) ، ومعلوم أنه لا يَصير بذلك خير الناس مطلقًا، فعلى هذا يكون الإيمان أفضلها والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال أو الأحوال، ثم يُعْرَف فَضْل بعضها على بعض بدلائلَ تَدُلُّ عليها] .

وقال المناوي في شرح الجامع عند حديث ظاهره تفضيل الذكر على الجهاد 3/ 115: [وهذا محمول على أن الذكر كان أفضلَ للمخاطَبين به، ولو خوطب به شجاع باسل حَلَّ به نفع الإسلام في القتال لقيل له: الجهاد، أو الغني الذي يَنتفع به الفقراء بمالِه قيل له: الصدقة، والقادر على الحج قيل له: الحج، أو مَن له أصلان قيل له: برُّهما، وبه يَحْصل التوفيق بين الأخبار] ، وهذا لا يخفى أنه ما لم يتحوَّل الجهاد إلى فرض عين.

وقال المباركفوري عن أكثر الأحاديث إشكالًا (ألا أنُبَئِّكم بخير أعمالكم وأزكاها ... ) : [ومُحَصَّل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلَفَتْ فيه الأجوبةُ بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلَف لاختلاف أحوال السائلين بأنْ أَعْلَمَ كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن في أدائها، وقد تَضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أنّ"أفضل"ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحُذِفت من] ، وهذا الكلام إذا كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت