فهرس الكتاب
إن الزواج ليس تنفيسًا عن ميل بدني فقط ! إنه شركة مادية وأدبية واجتماعية تتطلب مؤهلات شتى، وإلى أن يتم استكمال هذه المؤهلات وضع الإسلام أسس حياة تكفل الطهر والأدب للفتيان والفتيات على سواء.
وأرى أن شغل الناس بالصلوات الخمس طول اليوم له أثر عميق في إبعاد الوساوس الهابطة، ينضم إلى ذلك منع كل الإثارات التي يمكن أن تفجّر الرغبات الكامنة. إن الحجاب المشروع، وغَضّ البصر، وإخفاء الزينات، والمباعدة بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء في أي اختلاط فوضويّ، وملء أوقات الفراغ بضروب الجهاد العلمي والاجتماعي والعسكري -عند الحاجة-؛ كل ذلك يؤتي ثمارًا طيبة في بناء المجتمع على الفضائل.
ثم يجيء الزواج الذي يحسن التبكير به، كما يحسن تجريده من تقاليد الرياء والسرف والتكلف، التي برع الناس في ابتداعها فكانت وبالا عليهم.
إن من غرائب السلوك الإنساني أنه هو الذي يصنع لنفسه القيود المؤذية، وهو الذي يخلق الخرافة ثم يقدسها!!
إن الإسلام الحق هو الدواء الناجع، والعناصر التي يقدمها لقيام مجتمع طاهر، تصان فيه الأعراض، وتسود أرجاءه العفّة وتبدأ من البيت، فالصلوات تنتظم أفراده كلهم الصبية والرجال، ويُراقَب أداؤها بتلطف وصرامة، وتراعي شعائر الإسلام في الطعام واللباس والمبيت والاستئذان، واستضافة الأقارب والأصدقاء..
إن جوانب الحياة العامة كثيرة، وهي مسئولة عن صون البيت وإشاعة الطهر، وإنشاء أجيال أدنى إلى الاستقامة.
هناك معالم ثلاثة ينبغي أن تتوفر في البيت المسلم، أو أن تظهر في كيانه المعنوي ليؤدي رسالته ويحقق وظيفته، هذه الثلاثة هي: السكينة والمودة والتراحم..
وأعني بالسكينة الاستقرار النفسي، فتكون الزوجة قرة عين لرجلها، لا يعدوها إلى أخرى، كما يكون الزوج قرة عين لامرأته، لا تفكر في غيره..
أما المودة فهي شعور متبادل بالحب يجعل العلاقة قائمة على الرضا والسعادة.. ويجيء دور الرحمة لنعلم أن هذه الصفة أساس الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء على سواء، فالله سبحانه يقول لنبيه"فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.." (آل عمران:159) ، فليست الرحمة لونا من الشفقة العارضة، وإنما هي نبع للرقة الدائمة ودماثة الخلاق وشرف السيرة..
وعندما تقوم البيوت على السكن المستقر، والود المتصل، والتراحم الحاني فإن الزواج يكون أشرف النعم، وأبركها أثرا ...
وسوف يتغلب على عقبات كثيرة، وما تكون منه إلا الذُّريات الجيدة، لقد شعرت أن أغلب ما يكون بين الأولاد من عُقَد وتناحر يرجع إلى اعتلال العلاقة الزوجية، وفساد ذات البين.
إن الدين لا يكبت مطالب الفطرة، ولا يصادر أشواق النفس إلى الرضا والراحة والبشاشة، وللإنسان عندما يقرر الزواج أن يتحرّى عن وجود الخصال التي ينشدها وأظن ذلك حق المرأة أيضا فيمن تختاره بعلًا.
فإذا صدَّق الخُبْر الخَبر صحَّ الزواج وبقى، وإلا تعرض مستقبله للغيوم.
وهناك رجال يحسبون أن لهم حقوقًا، وليست عليهم واجبات، فهو يعيش في قوقعة من أنانيته ومآربه وحدها، غير شاعر بالطرف الآخر، وما ينبغي له. والبيت المسلم يقوم على قاعدة عادلة"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" (البقرة:228) ، وهي درجة القوامة أو رياسة هذه الشركة الحيّة.. ! وما تصلح شركة بدون رئيس.
وبديهي ألا تكون هذه الرياسة ملغية لرأي الزوجة، ومصالحها المشروعة أدبية كانت أو مادية..
إن الوظيفة الاجتماعية للبيت المسلم تتطلب مؤهلات معينة، فإذا عَزَّ وجودها فلا معنى لعقد الزواج.
وهذه المؤهلات مفروضة على الرجل وعلى المرأة معًا، فمن شعر بالعجز عنها فلا حقَّ له في الزواج..
إذا كانت المرأة ناضبة الحنان قاسية الفؤاد قوية الشعور بمآربها بليدة الإحساس بمطالب غيرها فخير لها أن تظل وحيدة، فلن تصلح ربة بيت، إن الزوج قد يمرض، وقد تبرّح به العلّة فتضيق به الممرضة المستأجرة. المفروض أن تكون زوجته أصبر من غيرها وأظهر بشاشة وأملًا ودعاء له..
ولن نفهم أطراف هذه القضية إلا إذا علمنا بأن البيوت تبنى على الحب المتبادل،"هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" (البقرة:187) كما قال تعالى
التدين إكسير الحياة الزوجية
إعداد: نطاق تزكية**
خلق الله لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة، غير أن هذه العِشرة الطويلة بين الأنفس، قد تعتريها صعوبات، وتنغص على صفوها مشكلات الحياة وضغوطاتها، وعدم تفهم البعض لمشاعر شريك الحياة، وللوسائل المعينة على التقارب والتراحم.
وتشير الأبحاث والدراسات الاجتماعية المعاصرة إلى غياب مفاهيم أخلاقية وسلوكية كثيرة في تعامل الزوجين مع بعضهما البعض، وغياب مراعاة الله والاحترام المتبادل بين الزوجين، حتى صار"السكين"و"الأسلحة الحادة"هي الوسائل العملية في النقاش بينهما، وشهدت محاضر الشرطة، وصفحات الجرائد مشاهد كثيرة، هي في واقع الأمر أدلة على انتشار"العقوق بين الزوجين".
ولكن، الوضع يختلف إذا ما تدبر الزوجان في بداية حياتهما الزوجية، واتفقا على أن يكون التدين حبل الله المتين الذين يقرب بينهما، ويحمي الأسرة من شر التشرذم، ويرمم الود إذا ما غاب الحب، ويوجب الاحترام إذا ما تحتم الخلاف.
وتؤكد على قيمة حسن الخلق والتدين في جلب السعادة الزوجية؛ تلك البيوت التي طرقنا أبوابها، لنستقي منها نماذج في البر والرحمة، فقد وجدناها عامرة بذكر الرحمن، هادئة بآداب القرآن، تقف أمام الأزمات صامدة صمود الشجعان.
فقد وضع الكثير من الأزواج والزوجات؛ حسن الخلق والبر أمام عينيه قبل بداية الشراكة الزوجية. فاتفقت إيمان حسين مع زوجها د. مجدي وهبي- مصريان- قبل الزواج على منهج رباني في بناء الأسرة؛ لكي تعيش أسرتهم في سعادة حقيقية، وأن يتقي كل منهما الله في الآخر، ويلتزمان الوضوح والصراحة في كل الأحوال؛ من منطلق أن الصدق صفة من صفات المسلم.
الصبر على البلاء
وللإيمان دور هام في الرضا والصبر على البلاء بين الأزواج، وهو ما تمثله قصة طاما ـ مغربية ـ التي ابتلى الله تعالى زوجها بمرض بدا في أول وهلة مرضا طارئا، إلا أنه كان أخطر من ذلك بكثير؛ إنه السل القاتل.
ولكنها اعتبرت مرض زوجها ابتلاء وتمحيصا من الله، وعكفت على خدمته متفائلة بعودته إلى البيت ذات يوم معافى، غير أن الله عز وجل اختار للزوج نهاية أخرى، فقد توفاه الله وهو راضٍ عن زوجته؛ لما قامت به من بر عجيب نحوه، وما زالت بارة له حتى بعد موته.
وقد تعرضت زوجة أحمد ـ من المغرب ـ لحادثة، أدت إلى قطع رجلها، وإصابتها بشلل نصفي أقعدها بالفراش. فاحتسب ذلك لله وصبر؛ وعزم الزوج على أن يكون لها نعم الأب والزوج والأخ، وشمر عن ساعد الجد، وصار قائما بكل أغراض البيت.
وعندما يُسأل عن ذلك؛ كان الزوج البار يرد عن فوره:"إن لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم، العبرة والمثل، فقد كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، وكان في خدمة أهل بيته...".
وظل أحمد وفيا لزوجته المقعدة؛ إلى أن شاء الله أن تتشافى بعد عرضها على أطباء في فرنسا، وقد ابتاع كل ما يملك من أجل شفائها، ليضرب لنا بذلك أروع المثل، ويعزف لنا لحن الوفاء.
إصلاح بالإيمان
وقد يصلح بر أحد الزوجين سوء خلق الآخر، وهو ما تدلل عليه قصة خديجة - من المغرب-، فتذكر أن زوجها كان يعاملها معاملة سيئة، وكان رجلا سكيرًا يكيل لها السباب والشتائم، ولا يحترم مشاعرها ولا مشاعر طفلتهما، وكانت تستعين في مواجهة ذلك بالدعاء والصبر.
وبعد أن مرت الأيام والشهور على هذا المنوال، تورط الزوج مظلوما في قضية جنائية، ولم تلقِ خديجة بالا لما يقال عنه، ولا بتحريض صديقاتها على طلب الطلاق والخلاص منه، بل وقفت بجواره، وكانت تزوره في السجن، وتحمل معها الأكل كما تحمل مشاعرها الرقيقة، وكانت نتيجة هذا البر بعد خروجه من السجن؛ أن حمل جميلها وبرها وأحسن معاملتها.
وفي نموذج الصبر على الزوجة سيئة الخلق؛ يضرب لنا"م. ع"- مصري- أروع مثال؛ لأنه تزوج من زوجة لا تصبر على الشدائد، وتنظر لما في يد غيرها، وكانت تكذب ولا تقدر ضغوط الحياة، وقد عاملها وفق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر".
وقد تعودت"دلال"- فلسطينية- على الحياة المرفهة في بيت أهلها، وظلت تنعم بالرفاهية في أولى أعوام زواجها، إلى أن فقد الزوج عمله، وشرع في البحث عن عملٍ آخر. وبرغم صعوبة الوضع الجديد؛ فقد منعها خُلقها ودينها من الشكوى، وابتغت مرضاة الله فصبرت، وما تزال صابرة، تعيش مع زوجها وأبنائها على القليل.
كما قرب الدين بين قلب مهند - فلسطيني- وزوجته؛ بعدما كادت تستحيل الحياة بينهما في بداية الزواج، ولكن ميثاق الله الغليظ قد عضد من علاقتهما، ووقف بالمرصاد أمام همزات الشيطان، حتى عادت سفينة الحب إلى شط الأمان.
التدين.. ضمان
حول أهمية التدين في نجاح الزواج؛ يشير د. محمد علي الزغول- عميد كلية الشريعة بجامعة مؤتة بالأردن- إلى أن هناك قاعدة أثبتتها الحياة وهي أن:"التدين ضمانة السعادة الزوجية". إذ يجلب الدينُ السكينة؛ يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
ويشير الزغول إلى نجاح العلاقات الزوجية التي يحكمها حسن الخلق، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم"، موضحًا أن حسن الخلق له أيادٍ على العلاقات الزوجية، وصاحب الخلق إذا كره من زوجته خلقا، رضي منها آخر.
ويزخر التاريخ الإسلامي بنماذج خالدة لبر الزوجين، وهذا ما ذكره د. الزغول عن قصة الصحابية التي مرض أبوها، وكانت تريد استئذان زوجها لزيارة أبيها؛ ولكنه لم يكن موجودا.
ورغم أنها علمت أن المرض قد اشتد بأبيها، لكنها لم تخرج لأن زوجها غير موجود ولم يأذن لها، فبلغها بعد ذلك أن والدها قد توفى -رغم جواز خروجها شرعا- فكان هذا من باب البر بالزوج.
ويقص د. الزغول قصة الصحابية أم طلحة الأنصارية؛ فعن ثابت، عن أنس. قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم. فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. قال فجاء فقربت إليه عشاء. فأكل وشرب. فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك. فوقع بها.
فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبره بما كان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بارك الله لكما في غابر ليلتكما". (صحيح مسلم) .
ويصف د. الزغول"روشتة"الأخلاق الصالحة التي ينبغي أن يتعامل بها الزوج في التعامل مع شريك حياته:
1 -التناصح: فإذا رأى أحدهما من الآخر سلوكا غير مناسب؛ فعليه أن ينصح الطرف الآخر ويذكره بما ينبغي أن يكون عليه المسلم في البيت المسلم.
2 -محاولة إظهار المحاسن الفردية للطرف الآخر: ومن ذلك تحذير أم لابنتها عند زواجها، من أن تقع عينيه على قبيح.
3 -تقويم السلوك بشكل لطيف: فإذا بدر من الزوج أمورا تسوء المرأة؛ لا بد أن تحاول أن تقومه، والعكس صحيح.
4 -النظر إلى العلاقة الزوجية على أنها شراكة وليس تمكينا: بمعنى أن يكون هناك تحديد من الذي يقود الأسرة. والتدين يقتضي أن يكون هناك مجال واسع في مبادلة القيادة والمشاركة فيها؛ لأن الرسول لم يكن مع أهل بيته مستبدا برأيه.
خشية الله.. اللبنة الأولى
ويلتقط أطراف الحديث د. أحمد العسال- مستشار رئيس الجامعة الإسلامية بباكستان؛ موضحا أن خشية الله عز وجل يجب أن تكون في قلب الزوجين، وتظهر في التعاملات بينهما؛ لأن الإنسان إذا خشي الله استقام، وحافظ على حقوق من معه، فعن مُعَاذٍ"أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ أو أَيْنَمَا كُنْتَ. قَالَ زِدْنِي قَالَ: أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا. قَالَ زِدْنِي. قَالَ: خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
وينبه د. العسال إلى عدد من الصفات التي ذكرها القرآن الكريم حتى يكون الزوج- أو الزوجة- على خلق قويم مع شريك حياته، أولها الاهتمام بتكامل الشخصية، وتنمية السلوك الإيماني، ومراعاة الله في الكلمة والنظرة، وتحقيق صفة المؤمنين في قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .
ولا تخلو الرؤية الإسلامية من مقومات أساسية للبيت المسلم الناجح، وفي هذا يبين د. العسال أن أهمها: قيام الزوجين برعاية البيت ماديا ومعنويا؛ من خلال المودة والرحمة المتبادلة، وأن تكون هناك نوع من الشراكة بينهما لسد احتياجات البيت.
كما يعد التدين سياج أمان بين الزوجين ضد تطور الخلاف بينهما؛ حيث يؤكد د. العسال أن المؤمن الصادق دائما يغفر السيئة ويعفو عن المظلمة، وبالتالي في نطاق الزوجية يصفح سريعا، وينهي خلافاته بشكل يرضي الله ورسوله.
حب الله كفيل
وتعرفنا د. سهير عبد العزيز- عميدة كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر سابقا- على أثر التدين في الحياة الزوجية؛ مبينة أن الإيمان بالله يكسب الإنسان إنسانية التعامل مع الآخرين، ويوجه علاقاته معهم، ومنها العلاقة الزوجية. إذ تقوم علاقة المؤمن مع شريك حياته على الأخلاق العليا؛ والتي تزيد من المحبة والقرب بين الطرفين.
وتذكر د. سهير أن بريق المودة والرحمة الذي قد ينطفئ مع التعود والعشرة، ما يلبث أن يتجدد مع الأزواج المتدينين؛ لأن الطامع في رضا الله لا يسيء إلى شريك حياته. وهناك بعض الدراسات التي أثبتت استقرار الأسر التي يحفها الإيمان؛ عن الأسر التي يسكنها الشيطان. فالحب في الله كفيل بحفظ علاقتنا مع أهلينا وذوينا، والقلب الذي يسكنه الحب، لا يقبل الخصام، ولا يرضى للمحبين الهجر أو القسوة"."
** شارك في إعداد التحقيق عدد من الصحفيين وهم: (صبحي مجاهد- مصر) ، (شيماء فايد- مصر) ، (عبد الله التفراوتي- المغرب) ، (علا عطا الله- فلسطين) ؛ يمكنكم التواصل معهم أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية؛ عبر بريد الصفحة:tazkia@iolteam.com.
الحب في القلب والزواج في المنزل!
** فلسطين - علا عطا الله
بالعقل أو القلب نختار شريك العمر، ونبدأ في رسم صورة وردية ورائعة لهذا الشريك ربما تصل إلى حد المثالية، ثم تأتي المفاجأة على أرض الواقع حين نقف أمام صورة أخرى عكس ما كنا نعتقد ونتخيل! فنُصاب بالحيرة والألم، ونشعر بالمرارة التي تجعلنا نتساءل: ماذا نفعل؟ هل نمضي في حياتنا أم نتوقف ونعيد حساباتنا؟؟
وسقط القناع
ما قبل الزواج يرى الرجل في شريكة دربه زوجة مثالية؛ فهي صادقة ومخلصة وحنونة ومثقفة.. باختصار: هي كل شيء. ونفس الصورة تتكرر في عيون المرأة؛ حيث ينسج خيالها الأحلام، وتسهر الليالي في انتظار اليوم الذي يجمعها مع شريك العمر تحت سقفٍ واحد، ولكن بعد الزواج تنعكس الصورة ويحكي الواقع كلمته.
بدأنا جولتنا مع الأزواج الذين وقعوا ضحايا"الصورة المثالية"، بصوت تعلو نبراته الأسى والحسرة يحكي لنا"سامي.ن"تجربته:"بعد زواجي بأشهر انصدمت بامرأة أخرى؛ فالتي أمامي عصبية، متقلبة المزاج، تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وحاولت جاهدًا أن أتحملها علّها تتحسن وتعود إلى طبيعتها، ولكن الأمور كانت تزداد سوءا، فأيقنت أن الصورة التي رسمتها في خيالي صورة مزيفة".
لا للنساء
التجربة التي مر بها"جمال.ع"جعلته يرفع شعار"لا للنساء"، ويروي لنا السبب:"في فترة الخطبة عشت أجمل أيام عمري؛ فقد تجسدت أمامي امرأة مثالية؛ كانت رقيقة المشاعر، حنونة، ومحبة. ببساطة: كانت حلمًا رائعًا، ولكنه تحول بعد الزواج إلى كابوس؛ فالرقة غابت، وانطفأ الحب والحنان، وتحول بيتنا إلى جحيم، ولم أعد أحتمل، فانفصلت عنها بعد أربع سنوات من القهر والعذاب، وخرجت من هذه التجربة وأنا أكره النساء جميعهن".
ويرى"خالد حمدان"أن الرجل حين يكتشف أن زوجته عكس الصورة التي عرفها عليها قبل الزواج؛ فإن ذلك يعرضه للصدمة والتدمير النفسي.. ويستدرك:"ولكن على الرجل أن يتروى؛ فقد يكون هناك ثمّة صفات إيجابية لم يكتشفها بعد، ولا يوجد ما يسمى بالصورة المثالية؛ فالكمال لله وحده عز وجل".
ويؤكد"ياسر العف"أنه في فترة الخطبة تبالغ الفتاة بمظهرها وسعادتها الخارجية على حساب أي شيء آخر، في حين يُعطي الشاب أفضل ما عنده، وبعد الزواج يظهر كل طرف على حقيقته.
ومن جهته يدعو"سيف الدين شرف"الأزواج إلى ضرورة تحمل الزوجات؛ لأن المرأة هي الطرف الأضعف دومًا، وهي من تحتاج إلى مسايرة حتى لو اختلفت الصورة؛ فهناك أخطاء من الممكن معالجتها.
ورطة العمر
يستطيع الرجل بسهولة أن يستبدل بالصورة أخرى لو اكتشف زيفها، وربما بصور، إلى أن يحصل على ما يريد، ولكن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة للمرأة التي ما إن تكتشف أنها أمام زوج مختلف عن الذي تعرفه حتى تصبر وتحتسب وتتألم بصمت، اقتربنا من الزوجات المخدوعات بحذر، سألناهن عن المعاناة التي تعتصر قلوبهن؛ فماذا كانت الإجابة؟؟
بعد شهر واحد من الزواج اكتشفت"رشا.م"أن الصورة التي رسمتها لفارس أحلامها خاطئة، وتقول:"صار يعاملني بقسوة وأنانية، ويغضب لأتفه الأمور، ويشتمني، ويضربني رغم أنني لم أفعل شيئًا أستحق عليه هذه المعاملة. ومع ذلك لم أفكر ولن أفكر في التخلي عنه؛ فلقد صار زواجي به واقعًا، وعليّ أن أتحمل وأصبر".
وتعاني"سهام.ل"من زوجها الذي اختلف كليًّا، وتقول:"كان رومانسيًّا هادئًا قبل الزواج، أما الآن فلقد أصبح جافًّا عصبيًّا، وحاولت تقويمه بكل السبل، لكنني فشلت، ولم أجد أمامي خيارًا سوى قبوله على علاته".
المرأة والألم
وتفسر"سلمى الشرفا"تمسك الزوجة بزوجها حتى لو اكتشفت أنه الشريك غير المناسب، قائلة:"المرأة بطبيعتها حين تتألم تتحمل، كما أن الظروف الاجتماعية التي نحياها لا تسمح للمرأة بأن تشكو، بل إن المجتمع يضعها في دائرة الاتهام دومًا، ويطالبها بأن تكون الطرف الذي يقود العلاقة الزوجية نحو النجاح".
ولكن"شيماء.ر"اتخذت قرارًا بالانسحاب، ووضعت حدًّا لحياتها الزوجية، وتعترف:"شعرت بأني وقعت في ورطة العمر؛ حيث وجدت نفسي أمام صورة مزيفة، ولما شعرت بالألم والعذاب طلبت الانفصال لأرتاح".
وبلهجة حاسمة غير مترددة تقول"سناء دلول":"إذا حدث واكتشفت الزوجة أنها أمام زوج تغيرت صورته إلى الأسوأ فعليها ألا تستمر في الحياة معه؛ فلا سبب يدعوها إلى البقاء مع الشخص غير المناسب".
دومًا هناك صورة مشرقة لا ينطفئ بريقها، وهناك أحلام لا تتبدل، تحتفظ بصدقها حتى لو اختلف الزمان والمكان. وهذا ما انطبق على الثنائي محمد الحلبي وزوجته رانيا، وعن هذه الصورة يتحدث لنا الزوج محمد:"زوجتي متدينة، وهذا أهم شرط وضعته عندما فكرت في الارتباط، والحمد لله رزقني الله بها. وأؤكد لكم أن تكون المرأة متدينة يعني أنها مثالية في تفاصيل حياتها، وعندما نعود إلى الدين نجد الحلول لكل مشكلاتنا اليومية التي نواجهها".
وتلتقط زوجته رانيا طرف الحوار لتكمل قائلة:"لم أصدم بزوجي بعد الارتباط به، ولم أكتشف فيه أية عيوب؛ ربما لأنه كان صريحًا وواضحًا معي قبل الزواج، وأنا لا أنكر أن هناك مشاكل تواجهنا، ولكننا بتبادل الحوار الهادئ والنقاش المتروي نصل إلى حلول وقرارات ترضيني وترضي زوجي، والأهم أنها ترضي الله عز وجل، وأنا أنصح الفتاة بأن ترتبط بالشاب المتدين الذي لن يظلمها، وكذلك الشاب عليه أن يظفر بذات الدين؛ فللأسف معظم شبابنا وشاباتنا يرسمون في خيالاتهم صورة لشريك حياتهم كالنماذج التي تعرضها الفضائيات، وهي نماذج لا تمُت لديننا ولا لأخلاقنا بصلة".
اختيار شريك العمر
ما المعايير الواقعية والعقلانية في اختيار شريك العمر؟؟ وكيف يؤثر اختلاف الصورة التي نسجها الأزواج والزوجات في خيالاتهم على الحياة الزوجية؟
أسئلة بسطناها على طاولة الأستاذ"درداح الشاعر"-المحاضر بقسم علم النفس بجامعة الأقصى بغزة- الذي استهل حديثه قائلا:"الاختيار السليم من البداية يجنب الأزواج والزوجات الوقوع في الخطأ، وأهم معيار يجب أن يضعه الشخص عندما يختار شريك حياته هو: الدين والأخلاق؛ فصاحب الدين سيتعامل مع الطرف الآخر باعتباره إنسانًا يصيب ويخطئ، يبكي ويفرح، يغضب ويهدأ، ولا وجود للصورة المثالية الكاملة، ومن هنا لا بد أن يكون الاختيار شرعيًّا، وإذا انحرف الشباب إلى معايير أخرى فسيعاني الزوج وستعاني الزوجة".
وفيما يختص بالصورة التي يرسمها الأزواج ومدى تطابقها أو اختلافها مع الواقع يؤكد"الشاعر"على أن الإنسان يجد نفسه أمام 3 احتمالات: الأول أن يجد ما يصبو إليه بدرجة أو أخرى، وهذا الأمر نادر الحدوث. والثاني أن يجد ما هو قريب مما رسمه. والثالث وهو محور حديثنا حيث الواقع مختلف كل الاختلاف عن الخيال؛ الأمر الذي قد تتولد عنه مشكلات كبيرة بين طرفي العلاقة؛ حيث تُصاب الروابط الأسرية بالتوتر النفسي والقلق الدائم، وربما تتدهور إلى درجة قد تصل إلى الطلاق"."
تضحية وموازنة
"الحالة تحتاج إلى تضحية وتقديم قدر من الموازنة والمسايرة؛ فالحياة الزوجية أمان وسكينة، وعلى الشخص أن يكون واقعيًّا؛ فلا يمكن أن تتطابق صفات ما قبل الزواج مع ما بعده، فإذا اكتشف الزوج أن ثمة فجوة ما اجتماعية أو فكرية أو ثقافية في زوجته فعليه أن يبذل قصارى جهده، ويسخر كل مساعيه من خلال التفاهم والتحاور؛ لسد الهوة المتشكلة بين الواقع وبين ما هو متخيل، ونفس الأمر ينطبق على الزوجة؛ فعدم التغلب على هذه الحالة يخلق الشعور بالإحباط واليأس والكآبة وفقدان التوازن، خصوصًا إذا انعدم الأمل في حدوث تغيير؛ وهو ما يخلق بيئة خصبة لكل أنواع الخلاف والمشاكل."
وأخيرًا.. نصح"الشاعر"من يقفون على عتبة اختيار شريك العمر أن يسلكوا الأسس الصحيحة، وهي موجودة في الثقافة الزوجية الإسلامية التي تكفل لهم حياة زوجية صحيحة ناجحة يغلفها المودة والرحمة.
الرجال.. وفن مداراة الزوجة!!
العدد 175 ـ ذو القعدة 1426هـ
إعداد: منى السعيد الشريف