لذلك كل مولود يولد على الفطرة صفحة بيضاء لا خير فيها ولا شر ، إلا أنها مبرمجة على حب الخير ، على حب العدل ، على حب الرحمة ، على حب الإنصاف .
لذلك الإنسان حينما لا ينصف يشعر بكآبة ، حينما لا يرحم يشعر بصغر ، وأكبر مرض في العالم الآن مرض الكآبة لأن الناس خرجوا عن فطرتهم ، خرجوا عن مبادئ فطرتهم ، عذبتهم أنفسهم ، ائت بأرقى سيارة مصنوعة في أرقى بلد في العالم ، أحدث موديل وأعلى مواصفات ، الآن يوجد مركبات سعرها تقريبًا يصل إلى أكثر من عشرين مليونًا ، امش بها في طريق وعر لا تحتمل تفقد كل ميزاتها لأنها مصممة للطريق المعبد ، ارتفاع هيكل السيارة عن الأرض ، طبيعة الضواغط ، طبيعة المكابح ، طبيعة المحرك ، كلها مصممة لطريق معبد ، فإن سرت بها في طريق معبد قطفت كل ثمارها وميزاتها ، أما إذا سرت فيها في طريق وعر كسرتها ولم تفلح لا في سرعة ولا في راحة ولا في هدوء بال ، أما الوعر يحتاج إلى مدرعة ، أي يحتاج إلى مجنزرة ، فأنت مصمم أن تؤمن بالله ، مصمم أن تكون صادقًا ، أمينًا ، عفيفًا ، نافعًا ، منصفًا ، هذا تمهيد أيها الأب أو أيها المعلم ، أنت حينما تلفت نظر ابنك إلى قواعد الدين تلفته إلى طبيعته ، تلفته إلى خصائصه ، تلفته إلى برمجته ، تلفته إلى توليفه ، لذلك الراحة النفسية التي يجدها المؤمن بعد أن يصطلح مع الله لا توصف ، لماذا لا توصف ؟ لأنه انسجم مع نفسه ، تصور أنك تريد أن تفتح بابًا بالمطرقة ، تحتاج إلى جهد كبير ومضن وأصوات وإقلاق وإزعاج ، أما هذا الباب مصمم أن يفتح بمفتاح صغير ، إن كان معك هذا المفتاح بنعومة ، بيسر ، بلا صوت ، بلا ضجيج ، بلا شكوى الجيران تفتح الباب وتدخل ، فأنت حينما تعود إلى دينك تعود إلى فطرتك ، حينما تعود إلى دينك تعود إلى طبيعتك ، إلى ما فطرك الله عليه ، إذًا أكبر عامل يعين المعلم والأب على تربية ابنه أن الإنسان في أصل فطرته حينما يولد يُولد على الفطرة .
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ) ).
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
كل يوم لو تصدق بصاع من بر:
(( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ) ).
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
لأن تأديب الابن يقطف ثماره المجتمع كله .
قبل فترة جاء طفل من طرف إنسان يحمل ألبسة أعطيته الحساب ، بعد دقيقة طرق الباب ثانية وقال لي: يوجد خطأ المبلغ يزيد أربعمئة ليرة ، يوجد خمسمئة ظننتها مئة ، أكبرته إكبارًا ، أكرمته إكرامًا ، هذا شيء جميل أنه طفل ، يوجد خطأ بأربعمئة ليرة عاد وطرق الباب ودفع الباقي ، فأنت عندما تربي ابنك على الأمانة والصدق تكون قدمت خدمة للمجتمع بأكمله ، هؤلاء الذين يسرقون يسببون