يعني أنا من باب الطرفة أعرف صديقًا يوم الجمعة يحب أن يشتري الفول من مكان من طرف المدينة الجنوبية ، وهو يسكن في طرفها الشمالي ، وفي أيام الشتاء الباردة يهيئ مركبته وينطلق بها من طرف المدينة الشمالي إلى طرفها الجنوبي ليأتي بطبق من الفول ليأكله مع أولاده صباحًا ، قد يكلفه هذا ساعتين أو أكثر ، أما حينما يريد أن يصلي الجمعة يختار أقرب مسجد دون أن يعبأ لا بخطيبه ، ولا بطريقة خطبته ، ولا بدعوته ، يعني عليه أن يركع هاتين الركعتين ليقول صلينا الجمعة والحمد لله ، وسقط عنه الوجوب وانتهى ، أنا أقول لهذا الإنسان أطبق من الفول أغلى عليك من دينك ؟!!
ينبغي أن تبحث لابنك عن مسجد يرتاح له ، يقنع بخطيبه ، يقنع بمدرسيه ، يقنع بمعهده ، أما أن نلحقه بأي مكان ، بأي مسجد ، بأي معهد ، من دون الدراسة والتحقق ، هذا أيضًا ليس من أساليب تربية الأولاد الناجحة ، ولا من أساليب تربية الأولاد المثمرة .
تكلمنا في الدرس الماضي عن الربط الإيماني ، الإيمان بالقرآن والإسلام والسنة والتاريخ الإسلامي والسيرة ، الآن إلى الربط الفكري ، يعني الآن يطرح فكر في المكتبات ، في الأسواق ، ما كل كتاب يقرأ ، ولا كل دار نشر يشترى منها ، هناك دور نشر تبث السم في الدسم ، لأنه أحيانًا كلمة تهز أعماق الإنسان ، لو أنها تمكنت منه دون أن يستطيع أن يردها بدليل تفعل فعلًا خبيثًا في نفسه .
أحيانًا قصة تقرؤها ، قد لا تشعر ماذا فعلت ؟ قرأت قصة من عدة أيام أن فتاة متفلتة لا يضبطها شيء ، استغلت جمالها للحصول على كل مآربها ، سواء في الدراسة ، أو في التجارة ، أو في المناصب ، وحصلت على ما تريد ، فتاة زميلتها لأنها ملتزمة ، ولأنها تخاف الله ، وهي محجبة ، بقيت من دون أن تتزوج ، ثم جاءها زوج فقير جدًا بالغ في إهانتها ، وبعد عشرين عامًا وازنت بين نفسها وبين هذه التي وصلت إلى أعلى مقام ، وأعلى ثروة ، وأعلى مكانة ، فأيقنت أنها كانت مخطئة أشد الخطأ حينما التزمت منهج الله عز وجل فانتكست ، هذه القصة بمثابة سم يدس في الدسم ، هل تعتقد أنت أن فتاة تؤمن بالله ، وتخشى الله ، وترجو رحمة الله ، وهي وقافة عند حدود الله ، وهي تخشى أن تسخط الله ، هذه تعامل كما تعامل الفاسقة ، إنك إن ظننت ذلك فإنك لا تقرأ القرآن الكريم .
قال تعالى:
* أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ *
( سورة الجاثية )
هذا الحكم سيسوءهم ، وهذا الحكم سيدمرهم ، وهذا الحكم سيثبط عزيمتهم ، وهذا الحكم سيصرفهم عن الحق ، والله أيها الأخوة زوال الكون أهون على الله من أن يعامل مسيئًا كما يعامل المحسن ، أو أن يعامل محسنًا كما يعامل المسيء ، المطروح أحيانًا في بعض الحلقات أن الله عز وجل طليق الإرادة ، هذا الكلام صحيح ، يمكن أن يضع هذا الذي عبده طوال حياته وأفنى عمره في