وقد اشتهرَ بالصَّبرِ، وقوَّةِ الاحتمالِ، وعلوِّ الهمِّة، والاعتزاز بالنَّفسِ، والصمود أمامَ الكوارثِ، والترفُّعِ عن الدنايا، تراهُ في كتاباتهِ عفيفَ القلمِ، حلو المحاضرةِ، طيِّبَ المعاشرةِ مع تلاميذه حتَّى إنَّكَ لا تجدُ بينَ كتاباتهِ ردًَّا على أحدٍ ممن وقفَ ضدَّه موقفَ الخصمِ، بل أسبغَ على كتاباته طابعَ العلمِ الذي يجبُ أن يُبَلِّغه، لا مُظهر الردودِ التي تُضيِّعُ أوقاتَ طالبَ العلمِ، وتقودُ إلى الأحقادِ والتعصُّبِ. بل إنَّ أشهرَ ما عُرِفَ به الشيخُ رحابة صدره مع منتقدي فتاويه، ومخالفيه في الرأي؛ فهو لا يغلظ لهم القولَ، ولا ينقدهم النَّقد اللاذعِ، بل يُلَمِّحُ باحترامٍ وتقديرٍ ولطفٍ دونَ أن يتعدَّى دائرةَ النِّطاق العلميِّ النزيه , وما عَرف لسانُه ولا قلمه نابيَ الكلام؛ فإذا احتاجَ إلى الردِّ على أحدٍ - عَلَت ردودَه مسحةٌ من الأدبِ الجمِّ، واحترام آراء الآخرين، وترك الاستخفافِ أو الاستنقاصِ للمخالفين كيفما كانت شخصياتهم، ومهما كانت آراؤهم. ولذلك لم يَنْزِل طيلةَ حياتهِ إلى الإسفافِ في القولِ كما هو الشأنُ في المناقشات التي ظهرت في عصره، والمعارك الأدبيِّة والعلميِّة التي كانت يومئذٍ محطُّ أنظارِ النَّاسِ] [1] .
أوليِّاتٌ لابنِ عاشور
وللشيخِ محمَّد الطَّاهر ابن عاشور أوّليات تستحقّ الوقوف عندها , والإشارة إليها , وهي مظهرٌ من مظاهر تميّز المترجمِ له , وفيما يلي شيء من ذلك:
أوّل مَنْ جمعَ بينَ منصب شيخ الإسلام المالكيِّ , وشيخ الجامع الأعظم (الزيتونة) .
أوَّل مَنْ سُمِّي شيخًا للجامع الأعظم سنة (1351هـ - 1932م) ليتولَّى الإصلاحاتِ العلميِّة والتعليميِّة , فكانَ أوّلَ شيخٍ لإدارةِ التَّعليم بجامعِ الزيتونةِ عوضًا عن النَّظارةِ التي كانت هي المسيّرة للتَّعليم به.
(1) الحمد , مرجع سابق , 1/ 22.