فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 129

سهامِ الفهمِ وإن بلغَ ساعدُ الذهنِ كمال الفتوَّة، فبقيت أسوَّفُ النَّفسَ مرةً ومرةً أسومُها زجرًا، فإن رأيتُ منها تصميمًا أحلتُها على فرصةٍ أخرى، وأنا آمل أن يُمنحَ من التيسيرِ ما يُشجِّعُ على قصد هذا الغرضِ العسير].

وقالَ -رحمه الله- متحدثًا عن القرآن الكريم ومعانيه النيِّرة ومقاصده العظيمة , وما أودعَ تفسيره من الفنونِ وبخاصَّةٍ فنُّ دقائق اللغةِ التي لم تُخصّ بكتابٍ كما للفنونِ الأخرى , فقال: [إنَّ معانيَ القرآنِ ومقاصِدهُ ذاتُ أفانينَ كثيرةٍ بعيدةِ المدى متراميةِ الأطرافِ موَّزعةٍ على آياتهِ فالأحكامُ مُبيَّنةٌ في آياتِ الأحكامِ، والآدابُ في آياتِها، والقصصُ في مواقعِها، وربَّما اشتملت الآيةُ الواحدةُ على فنَّينِ من ذلكَ أو أكثر. وقد نحا كثيرٌ من المفسرينَ بعضَ تلكَ الأفنان، ولكنَّ فنًَّا من فنونِ القرآنِ لا تخلو عن دقائقِهِ ونُكتِه آيةٌ من آياتِ القرآنِ، وهو فنُّ دقائقِ البلاغةِ هو الذي لم يخصَّهُ أحدٌ من المفسرين بكتابٍ كما خصَّوا الأفانينَ الأخرى، من أجلِ ذلكَ التزمتُّ أن لا أغفل التَّنبيهَ على ما يلوحُ لي من هذا الفنِّ العظيمِ في آيةٍ من آي القرآن كلَّما أُلهمتُهُ بحسبِ مبلغِ الفهمِ وطاقةِ التدبُّر] .

كما أنَّ ابنَ عاشور اعتنى بتفسيرهِ هذا وأظهرَ اهتمامًا كبيرًا ببيانِ وجوه الإعجازِ في القرآنِ الكريم , ونُكتِ البلاعةِ العربيِّة وأساليب الاستعمال- ولا ريبَ فإنَّه من أربابِ اللغةِ والبلاغة - ولم يُغفل مسألةٌ فيها من الفوائدِ الكثير , والمتحدثون عنها نزرٌ يسير , وهيَ مسألة تناسب الآيات بعضِها ببعضٍ , ولهذا قالَ: [وقد اهتممتُ في تفسيري هذا ببيانِ وجوهِ الإعجازِ ونُكتِ البلاغةِ العربيِّةِ وأساليب الاستعمال، واهتممتُ أيضًا ببيانِ تناسبِ اتِّصالِ الآي بعضِها ببعضٍ، وهو منزعٌ جليلٌ قد عُنيَ به فخر الدِّينِ الرازيِّ، وألَّف فيه برهان الدِّين البقاعيِّ كتابه المسمى: «نظم الدُررِ في تناسبِ الآي والسور» إلا أنَّهما لم يأتيا في كثيرٍ من الآي بما فيه مَقْنَعٌ، فلم تزل أنظارُ المتأمِّلين لفضلِ القولِ تتطلَّع. أمَّا البحثُ عن تناسبِ مواقعِ السِّور بعضِها إثرَ بعضٍ، فلا أراه حقًَّا على المفسِّر] .

حرِصَ ابن عاشور في هذا التَّفسيرِ أن لا يتركَ الكلام عن أغراضِ السِّور التي اجتهدَ في إيضاحِها وتعدادِها , مُعلِّلًا ذلكَ بقوله: [ولم أغادِر سورةً إلا بيِّنتُ ما أُحيطَ به من أغراضِها لئلِّا يكونَ النَّاظرُ في تفسيرِ القرآنِ مقصورًا على بيانِ مفرداتِه ومعاني جُملِهِ كأنها فقر متفرقة تصرفه عن روعة انسجامه وتحجب عنه روائع جماله] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت