فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 129

في هذا المقطع يبيّن - رحمه الله- منهجه في كتابة تفسيرهِ حيثُ أفادنا بأنَّه يقفُ موقفَ الحكمِ بينَ مدارس التفسيرِ ومناهج المفسرين , فشقَّ لنفسه طريقًا وسطًا , ومنهجًا جديدًا , فلم يقف موقفَ المقلِّدِ الناقلِ ولا النَّاكرِ الجاحد , بل زاوجَ بين الطريقينِ وألَّف بين المنهجينِ , فعرفَ للأولينَ حقهم وقدَرَهم قدْرهم , فاستفادَ ممَّا كتبوه ودونوه , وأضافَ ما فتح الله عليه.

وكانت بدايةُ تأليفِه للتَّفسيرِ عام 1341هـ، وفرغَ منه عام 1380هـ.

وبعد فراغِه منه ختَمَهُ بكلمةٍ عظيمةٍ مؤثِّرة قالَ فيها:[قَدْ وَفَيْتُ بِمَا نَوَيْتُ، وَحَقَّقَ اللَّهُ مَا ارْتَجَيْتُ فَجِئْتُ بِمَا سَمَحَ بِهِ الْجُهْدُ مِنْ بَيَانِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَدَقَائِقِ نِظَامِهِ وَخَصَائِصِ بَلَاغَتِهِ، مِمَّا اقْتَبَسَ الذِّهْنُ مِنْ أَقْوَالِ الأئِمَّةِ، وَاقْتَدَحَ مِنْ زَنْدٍ لإنَارَةِ الْفِكْرِ وَإِلْهَابِ الْهِمَّةِ، وَقَدْ جِئْتُ بِمَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ وُفِّقْتُ فِيهِ لِلإبَانَةِ عَنْ حَقَائِقَ مَغْفُولٍ عَنْهَا، وَدَقَائِقَ رُبَّمَا جَلَتْ وُجُوهًا وَلَمْ تَجْلُ كُنها، فَإِنَّ هَذَا مَنَالٌ لا يَبْلُغُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ إِلَى تَمَامِهِ، وَمَنْ رَامَ ذَلِكَ فَقَدْ رَامَ وَالْجَوْزَاءُ دُونَ مَرَامِهِ , وَإِنَّ كَلامَ رَبِّ النَّاسِ، حَقِيقٌ بِأَنْ يُخْدَمَ سَعْيًا عَلَى الرَّأْسِ، وَمَا أَدَّى هَذَا الْحَقَّ إِلا قَلَمُ الْمُفَسِّرِ يَسْعَى عَلَى الْقِرْطَاسِ، وَإِنَّ قَلَمِي طَالَمَا اسْتَنَّ بِشَوْطٍ فَسِيحٍ، وَكَمْ زُجِرَ عِنْدَ الْكَلالِ وَالإعْيَاءِ زَجْرَ الْمَنِيحِ، وَإِذْ قَدْ أَتَى عَلَى التَّمَامِ فَقَدْ حَقَّ لَهُ أَنْ يَسْتَرِيحَ.

وَكَانَ تَمَامُ هَذَا التَّفْسِيرِ عَصْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ عَامَ ثَمَانِينَ وَثَلاثِمَائَةٍ وَأَلْفٍ. فَكَانَتْ مُدَّةُ تَأْلِيفِهِ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَهِيَ حِقْبَةٌ لَمْ تَخْلُ مِنْ أَشْغَالٍ صَارِفَةٍ، وَمُؤَلَّفَاتٍ أُخْرَى أَفْنَانُهَا وَارِفَةٌ، وَمُنَازِعَ بِقَرِيحَةٍ شَارِبَةٍ طَوْرًا وَطَوْرًا غَارِفَةٍ، وَمَا خَلا ذَلِكَ مِنْ تَشَتُّتِ بَالٍ، وَتَطَوُّرِ أَحْوَالٍ، مِمَّا لَمْ تَخْلُ عَنِ الشِّكَايَةِ مِنْهُ الأجْيَالُ، ولا كُفْرَانَ لِلَّهِ فَإِنَّ نِعَمَهُ أَوْفَى، وَمَكَايِيلَ فَضْلِهِ عَلَيَّ لا تُطَفَّفُ ولا تُكْفَا.

وَأَرْجُو مِنْهُ تَعَالَى لِهَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يُنْجِدَ وَيَغُورَ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْخَاصَّةَ وَالْجُمْهُورَ، وَيَجْعَلَنِي بِهِ مِنَ الَّذِينَ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. وَكَانَ تَمَامُهُ بِمَنْزِلِي بِبَلَدِ الْمَرْسَى شَرْقِيَّ مَدِينَة تونس] [1] .

(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 30/ 636 - 637.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت