فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 64

الإمام ولا أمرنا بتعطيله إلا أن يظهر إمام، بل أخبرنا عن طائفة الحق القائمة به لنلزم غرزها ونقتفي أثرها ونسير على هديها، وأعلمنا بأجلّ صفاتها وهي العلم الذي يتميز به الحق من الباطل، والجهاد الذي تُحمى به حوزة العلم، وبهذين الوصفين قوام الدين، ولهذا قال البخاري رحمه الله لما ترجم بلفظ حديث ثوبان عند مسلم: وهم أهل العلم، وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال سمعت محمد ابن إسماعيل هو البخاري يقول، سمعت علي بن المديني يقول هم أصحاب الحديث، وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، ومن طريق يزيد بن هارون مثله، وروي نحوه عن أحمد بن سنان، وعن غير هؤلاء من الأئمة رحمهم الله، حدثني بعض العلماء أنه تتبع ما صح سنده من ذلك فبلغ سبعة عشر إماما [1] ، فثبت بذلك جمع الطائفة المنصورة بين صفتي العلم والجهاد، ثم إن هذه الطائفة كما ذكر علماؤنا رحمهم الله قد تكون مجتمعة وقد تكون متفرقة، قال الحافظ في الفتح رحمه الله: قال النووي فيه أن الإجماع حجة، ثم قال يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى. فهذه الطائفة المنصورة قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم نزاع من القبائل، أناس قليل صالحون في أناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وكل منهم مع تباعد ما بينهم قائم بالحق داع إليه مجاهد في سبيله بقلمه ولسانه، وسيفه وسنانه، كان الإمام أم لم يكن.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في دحض هذه الفرية كما في الدرر السنية (8/ 199) : ويقال: بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد على تركه، قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} (البقرة:251) ، وقال في سورة الحج (الآية 40) : وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ

(1) قال في نشر طَيِّ التعريف في فضل حملة العلم الشريف: وقد سبق أن الجماعة هم العلماء، والعلماء أيضا هم المسمون في كتاب الله أهل الأمر المأمور بطاعتهم في السر والجهر، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أولوا الأمر العلماء حيث كانوا، وهذا ما قاله جابر ومجاهد وعطاء والحسن والضحاك والمبارك بن فضالة وإسماعيل بن أبي خالد رحمهم الله تعالى، ذكره الثعالبي وغيره، وقال الواحدي رحمه الله أولوا الأمر العلماء والفقهاء، وعن ابن عباس أيضا: إنهم حمله الفقه والحكمة. ولا يخفى أن الأمر كما قال الشاطبي في الموافقات (1/ 69) : العلم الذي هو المعتبر شرعا، أعني الذي مدح الله ورسولُه أهله على الإطلاق، هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت