(فإن ماتَ الولدُ فلا شيءَ على أبيه) ؛ لعدم المنعِ [ (1) ] منه، (وترْكَتُهُ له) (2) ؛ لأنَّه حُرُّ الأصل [ (3) ] ، (فإن قتلَهُ أبوه أو غيرُهُ غُرِّمَ الأبُ قيمتَه، ورجَعَ بها كثمنِها على بائعِهِ لا بالعقر(4) )، إن قتلَهُ الأبُ يضمنُ قيمتَهُ للمستحقّ، وكذا إن قتلَهُ غيرُه، فأخذ (5) الأبُ ديتَه [ (6) ] ، فإن الدِّيةَ بدلٌ له، فسلامةُ البدلِ للأبِ كسلامةِ الولد، ثُمَّ مَنْعُ البدلِ من المستحقِّ كمنعِ الولد، وفيه القيمة، ويرجعُ[ (7)
(1) قوله: لعدم المنع؛ لأنّه لو كان مملوكًا للمستحقِّ حقيقةً لم يكن مضمونًا عليه، فإنَّ ولدَ المغصوبِ أمانةٌ عندنا كما تقرَّرَ في موضعه، فأولى أن لا يكونَ مضمونًا عليه مع عدمِ الملك حقيقة.
(2) ولا يغرم شيئًا؛ لأن الأرث ليس بعوض عن الولد فلا يقوم مقامه، فلا تجعل سلامة الإرث كسلامته. ينظر: (( رد المحتار ) ) (4: 447) .
(3) قوله: إنّه حرُّ الأصل؛ يعني في حقِّ أبيه فيرثه أبوه، لا يقال: إنّ هذا الولدَ كما هو حرٌّ في حقِّ أبيه كذلك رقيقٌ في حقّ مدَّعيه، فَلِمَ لم يقسمْ تركته بينهما؛ لأنّا نقول: هو حرٌّ في حقِّ مدَّعيه أيضًا، ألا ترى أنَّ ولاءه ليس لمدّعيه، وإنّما جعلناه رقيقًا في حقِّه ضرورةَ القضاءِ له بالقيمة، وكلُّ ما ثبتَ بالضرورة يتقدُّرُ بقدرها.
(4) في ص: بالعفو.
(5) في ص: وأخذ.
(6) قوله: فأخذ الأبُ ديته؛ قيّد بالأخذ، ذكر في (( المبسوط ) )فإن قضى له بالدية فلم يقبضها لم يأخذ بالقيمة؛ لأنَّ المنعَ لا يتحققُّ فيما لم يصلْ إلى [يده] من البدل، فإنَّ قبضَ من الدِّيَة قدرَ قيمةِ المقتولِ قضى عليه بالقيمة للمستحقّ؛ لأنَّ المنعَ يتحقَّقُ بوصولِ يدِه إلى البدل، فيكون منعُهُ قدرَ قيمةِ الولد، كمنعه للولد. كذا في (( الكفاية ) ) (7: 294-295) .
(7) قوله: ويرجع... الخ؛ يعني ويرجعُ المشتري على أبيه بقيمةِ الولدِ التي ضمنها، كما يرجعُ المشتري بثمنِ الجارية؛ لأنّه صارَ كفيلًا بما شرطَ عليه من البدل؛ لأنَّ البيعَ مبنيٌّ على مساواة البدلينِ في حكم الضمان، فلَمَّا كان الثمنُ من جانبِ المشتري سالمًا للبائعِ وجبَ أن يكون المبيعُ سالمًا للمشتري، وذلك بأن يجعلَ البائعُ كفيلًا بسببِ تملُّكِ البدل، فصار كأنّه قال للمشتري: إنَّ الحكمَ قد ثبتَ لك، فإن ضَمِنَك أحدٌ بدعوى باطل فأنا ضامنٌ لك بما ضَمِنَك؛ ولأنَّ البائعَ التزمَ سلامتها عن العيب إذ المعاوضة تقتضي ذلك، ولا عيب فوق الاستحقاق، فيرجعُ عليه، وكذا إن هلكت عند المشتري فضَمَّنَه المستحقُّ قيمتَها وقيمةَ الأولاد لا يرجعُ على البائعِ بالثمنِ وبما ضَمِنَ من قيمةِ الأولاد، ولا يرجعُ عليه بقيمة الجارية؛ لأنَّ أخذَ قيمتِها منه كأخذِ عينها، وفيه لا يرجعُ إلاَّ بالثمن، فكذا هذا، صرَّح به العَيْنِيُّ [في (( الرمز ) ) (2: 153) ] ، والزَّيْلَعِيُّ [في (( التبيين ) ) (4: 335) ] ، وغيرُهما.
ولا يرجعُ المشتري بالعقر الذي أخذَ منه المستحقّ؛ لأنّه بدلُ الاستيفاءِ من منفعةِ البضع، وهي ليست من أجزاءِ المبيع، فلم يكن البائع ضامنًا لسلامته، فلا يرجع به على البائع، وعند الشافعي - رضي الله عنه: يرجع؛ لأنّه ضمان لزمَه بفوت السلامة.
والجواب: إن العقرَ عوضٌ عما استوفىَ من منافع البائع، فلو رجعَ به سلم له المستوفى مجانًا، والوطءُ في ملك الغيرِ لا يجوزُ أن يُسَلَّمَ له مجانًا. ولا [يرجع] على [الواهب و] المتصدِّق والموصي بشئ من قيمة الأولاد، وعند الشافعي - رضي الله عنه: يرجع؛ لأنَ الغرورَ قد تحقَّق له منه بإيجابه الملك له فيها، وإخباره أنها مملوكته.
والجواب: إنَّ مجرَّدَ الغرورِ لا يكفي للرجوع، فإن مَن أخبرَ إنسانًا أنه هذا الطريق آمن فسلكها فأخذ اللُّصوص ماله، لم يرجع على المخبر بشيء، بخلاف البيع فإنّه عقد معاوضة يوجب السلامة أو الضمان على ما بيّنا، وهذا تبرع، وهو محسن، وليس على المحسن من سبيل وبخلاف التزوج؛ لأّنه موضوع الاستيلاد وطلب النسل بقوله - صلى الله عليه وسلم: (( تناكحوا توالدوا تكثروا... ) )الحديث [سبق تخريجه] ، فإذا لم يُسَلَّم [له] ما هو المقصود به رجع بذلك على من غرَّه، والمقصود بوضعِ الهبةِ إظهارُ الجودِ والسماحةِ وثبوت الملك، وهذا المقصود يتحقّق بدون الاستيلاد. كذا في (( المنح ) ) (ق2: 176/أ) ، و (( التبيين ) ) (4: 336) وغيرهما.