كتابُ الهبة[ (1)
(1) قوله: كتاب الهبة؛ وجه المناسبة بينها وبين ما قبلها ظاهر؛ لأنَّ ما قبلها تمليكُ المنفعة بلا عوض، وهي تمليكُ العين بلا عوض؛ ولأنَّ العاريةَ كالمفرد، والهبة كالمركب؛ لأنَّ فيها تمليك العينِ مع المنفعة، والمفردُ مقدَّم على المركّب طبعًا، والهبة بالكسر: بخشيدن. كذا في (( الصراح ) )، يقال: وهبتُ لزيدٍ ما لا أهبه له هبةً: أعطيتُه بلا عوض، يتعدَّى إلى المفعول باللاّم، في التَّنْزيل: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًَا، وَيَهَب لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور} [الشورى: 49] ، ووهَبًا بفتح الهاء وسكونها وموهِبًا وموهِبةً بكسرهما، قال ابنُ القوطية والسَّرَقُسْطي والمُطَرِّزيُّ وجماعة: ولا يتعدّى إلى الأوّل بنفسه، ولا يقال: وهبتك مالًا، والفقهاء يقولونه، وقد يُجْعل له وجه، وهو أن تضمنَ وهب معنى أعطى، فيتعدّى بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: وهبني اللهُ تعالى فلا؛ أي جعلني، لكن لم يسمعُ في كلامٍ فصيح، وزيدٌ موهوبٌ له، والمال موهوب، واتَّهبتُ الهبةَ قَبِلتها، واستوهَبْتُها سألتها، وتواهبوا: وهبَ بعضهم لبعض. كذا في (( المصباح ) ) (2: 1046) .
وقال في (( النهاية ) ): إنّها في اللغة: عبارةٌ عن إيصالِ الشيءِ إلى الغيرِ بما ينفعه، قال الله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّا} [مريم: 5] . انتهى. أي سواء كان مالًا أو غيره، وقال القُهُسْتَانِيُّ - رضي الله عنه -[في (( جامع الرموز ) ) (2: 59) : ويتعدَّى إمّا باللامَ نحو: وهبتُه له، وحكى أبو عمرو - رضي الله عنه: وهبتك، كما في (( القاموس ) ) (1: 143) ، وقالوا: بحذفِ اللام منه، وأمّا بمن نحو: وهبتُهُ منك على ما جاءَ به من أحاديثٍ كثيرةٍ في (( الصحيح ) ). كما في (( دقائق النَّوَوِيِّ ) )، فظنَّ من المُطَرِّزيِّ أنه خطأٌ، ومن التَّفْتَازَانِيِّ أنّه عبارةُ الفقهاء. انتهى.
وفي الشريعة: ما ذكره المصنّف - رضي الله عنه - بقوله: وهي تمليك... الخ.
وهي عقدٌ مشروع، ودليل مشروعيَّتها: قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًَا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] ، أي فإن طابت أنفسهنّ لكم عن شيءٍ من الصداق فهو هبةٌ لكم، فكلوه هنيئًا طيبًا مريئًا محمودَ العاقبةِ لا ضررَ فيه عليكم في الآخرة، نزلَ ردًّا على مَن كره ذلك، كما ذكره المفسِّرون، فالله تعالى أباحَ الأكلَ بالوصفِ الحميد.
وما رواهُ البُخاريّ - رضي الله عنه - في (( صحيحه ) ) (2: 908) من حديث أبي هريرةَ - رضي الله عنهم - إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لو دعيتُ إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت ) )، وما روى مالك - رضي الله عنه - في (( الموطأ ) ) (2: 908) مرسلًا عن عطاء به عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تصافحوا يذهبُ الغل، وتهادوا تحابوا، يذهب الشحناء ) ) [ (( سنن البيهقي الكبير ) ) (6: 169) ] .
وعلى تلك المشروعيّة انعقد الإجماع، وكيف لا؟ وهي من صفاتِ الكمال، فإنَّ الله تعالى وصفَ بها نفسه بقوله: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ} [ص: 9] ، والبشر إذا باشرَها فقد اكتسبَ من أشرفِ الصفات لما فيها من استعمالِ الكرمِ وإزالة الخسّ وشحِّ النفس، وإدخالُ السرورِ في قلب الموهوبِ له، وإيراثُ المودّة والمحبّة، وقال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون} [الحشر: 9] ، فهي مندوبة، وقبولها سنّة إلا لعارض، كما إذا علمَ أنّه مالُ حرام، أو أنّه يمتّن عليه بما أهداه إليه.
وسببها: إرادةُ الخيرِ للواهب، دنيوي كعوضٍ محبّة وحسن ثناء ، وأخروي وهو الثواب، ذكر في (( النهاية ) ): قال الإمام أبو منصور - رضي الله عنه: يجبُ على المؤمنِ أن يُعَلِّمَ ولدَه الجودَ والإحسان، كما يجبُ عليه أن يُعَلِّمَه التوحيدَ والإيمان؛ إذ حبُّ الدينار رأسُ كلُّ خطيئة. انتهى.
وشرائطُ صحّتها في الواهب: العقلُ، والبلوغُ، والملكُ، فلا تصحُّ هبةُ المجنونِ والصغير والعبد، ولو مكاتَبًا، أو أمَّ ولد، أو مُدبَّرًا، أو مُبْعَضًا، وغير المالك.
وشرائطُ صحَّتها في الموهوب: أن يكونَ مقبوضًا غير مشاع، مميّزًا غير مشغول، كما سيأتيك تفصيلُهُ إن شاءَ الله تعالى.
وركنها: الإيجابُ والقبول، وسيأتيك تحقيقُهُ إن شاءَ الله تعالى.
وحكمها: ثبوتُ الملكِ في العينِ الموهوبةِ غيرُ لازم، حتى يصحَّ الرجوعُ والفسخ، وعدمُ صحَّةِ خيارِ الشرط فيها، وإنّها لا تبطل بالشروط الفاسدة.