الصفحة 3350 من 4657

كتابُ الدَّعوى[(1)

(1) قوله: كتاب الدعوى؛ لمّا كانت الوكالةُ بالخصومةِ لأجلِ الدَّعوى ذكرَ الدعوى عقيبَ الوكالة؛ لأنَّ المسبَّبَ يتلو السبب، والدَّعوى في اللُّغةِ عبارةٌ عن إضافةِ الشيء إلى نفسِهِ مطلقًا من غير تقييدٍ بمنازعةٍ أو مسالمة، مأخوذًا من قولهم: ادَّعى فلان، إذا أضافَهُ إلى نفسِهِ إذا قال: لي.

قال في (( المصباح المنير ) ) (195-196) : ادَّعيتُ الشيء: تمنيتُه، وادَّعيته: طلبته لنفسي، والاسمُ الدّعوى، ودعوى فلان كذا: أي قوله، قال ابن الفارس - رضي الله عنه: الدعوة المَرَّة، وبعضُ العربِ يؤنّثها بالألف، فيقول: الدعوى، وقد يتضمَّنُ الادعاءُ معنى الإخبار، فتدخلُ الباءُ جوازًا، فيقال: فلانٌ يدَّعي بكرمِ فعالِه: أي يخبرُ بذلك عن نفسه، وجمعُ الدَّعوى الدَّعاوى، بكسر الواو؛ لأنّه الأصلُ كما سيأتي، وبفتحِها محافظةً على ألفِ التأنيث، قال بعضهم: الفتحُ أولى؛ لأنَّ العربَ آثرتِ التخفيفَ ففتحَت وحافظَت على ألفِ التأنيثِ التي بُنِي عليها المفرد، وبه يشعرُ كلامُ أبي العبَّاسُ أحمدُ بن وَلاَّدٍ، ولفظُهُ: وما كان على فُعْلَى بالضمِّ أو الفتحِ أو الكسر، فجمعُهُ الغالبُ الأكثر: فَعَالَى، بالفتح، وقد يكسرونُ اللاَّم في كثيرٍ منه.

وقال بعضهم: الكسرُ أولى، وهو المفهومُ من كلامِ سيبويه - رضي الله عنه -؛ لأنّه يثبتُ أنَّ ما بعد ألفِ الجمعِ لا يكون إلاَّ مكسورًا، وما فُتِحَ منه فمسموعٌ لا يقاسُ عليه؛ لأنّه خارجٌ عن القياس، فالفتحُ والكسرُ في الدَّعاوى سواء، ومثلُهُ الفتوى والفتاوى، وقال اليَزِيديُّ - رضي الله عنه: يقال في هذا الأمر: دعوى ودعاوى؛ أي مَطالِب، وهي مضبوطةٌ في بعض النسخِ بفتحِ الواوِ وكسرها معًا، وفي الحديث: (( لو أُعْطيَ النَّاسُ بدعاوِيهم ) [في (( سنن الدارقطني ) ) (3: 485) بلفظ: (( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو أعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ) )، قال النووي: حديث حسن: ينظر: (( تخليص الحبير ) ) (4: 208) ، و (( كشف الخفاء ) ) (1: 342) ] ، وهذا منقول، وهو جارٍ على الأصول، خالٍ عن التأويل، بعيدٍ عن التصحيف، فيجبُ المصيرُ إليه، وقد قاسَ عليه ابنُ جِنِّي - رضي الله عنه -. انتهى مختصرا بقدرِ الضرورة.

وقيل: الدَّعوى في اللُّغة: قولٌ يَقْصِدُ به الإنسانُ إيجابَ الشَّيءِ على الغير، إلاَّ أنَّ اسمَ المدَّعي يتناولُ مَن لا حجَّة له في العرف، ولا يتناولُ مَن له حجَّة، فإنَّ القاضي يسمِّيه مدَّعيًا قبل إقامةِ البيِّنة، وبعده يسمِّيهِ محقًَّا لا مدَّعيًا، ويقال لمسيلمةَ الكذَّاب: مدَّعي النبوّة؛ لأنّه عجزَ عن إثباتها، ولا يقال للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: مدَّعي النَّبوّة؛ لأنّه قد أثبتها بالمعجزة.

وفي الشريعة: ما ذكرَه المصنّفِ - رضي الله عنه - بقوله: هي إخبارٌ بحق... الخ.

وركنها: إضافةُ الحقِّ إن كان أصيلًا كقوله: لي عليه كذا أو قضيته أو برَّأته ونحوه. [و] له إضافتُه إلى مَن نابَ منابَه، كما في الوكيلِ وربِّ الصغيرِ ووصيّه عند النِّزاع.

وأهلها: العاقلُ المميّز، فلا تصحُّ من المجنونِ والصبيِّ الغيرِ المميِّز، ومن شرطِ جوازها مجلس القاضي، وحضورِ خصمِه، ومعلوميّة المدَّعَى، وكونُها ملزمةٌ وكونِ المدَّعَى ممَّا يحتملُ الثبوتَ كما سيأتي فلا تصحُّ في مجلسِ غير القاضي، ولا يقضى على غائب، ولا يمكنُ القضاءُ لو كان المدَّعَى مجهولًا، ودعوى ما يستحيلُ وجودُهُ باطلةٌ، كما إذا قال لمَن لا يولد مثلُهُ لمثلِه: هذا ابن، وقسْ على هذا.

وحكمُها: وجوبُ الجوابِ على الخصمِ المدَّعي عليه، والتفصيلُ في المبسوطات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت