(1) قوله: كتاب البيع؛ لمَّا فرغَ المصنّف - رضي الله عنه - عن (كتابِ الوقف) شرعَ في (كتاب البيع) ؛ لمناسبةٍ بينهما، وهي: أن الوقفَ إزالةُ الموقوفِ عن ملكِ الواقف، أمّا على قولهما فظاهر، وأمَّا على قول أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - فبعدَ حكمِ الحاكم، وفي البيع إزالةُ المبيعِ عن ملكِ البائع، مع إدخالِهِ في ملكِ المشتري، فنَزلَ الوقفُ في ذلك منْزلة البسيطِ من المركب، والبسيطُ مقدَّمٌ على المركبِ طبعًا، فقدَّمه وضعًا، ولمّا كان البيعُ مصدرًا، والأصلُ في المصدر أن لا يثنّى ولا يجمع، فأورده بلفظِ المفرد، ومن جمعَهُ نظرًا إلى ما تحته من الأنواع، والبيعُ من الأضداد، يقال على الإخراجِ عن الملك والإدخالِ فيه، ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يخطبُ الرَّجلُ على خطبةِ أخيه، ولا بيعَ على يبيعِ أخيه ) ) [البخاري: (5: 1975) ، ومسلم: (2: 1029) ] : أي لا يشتري على شراءِ أخيه؛ لأنَّ المنهيَّ عنه هو الشِّراءُ لا البيع، ويقع في الغالب على إخراجِ المبيعِ عن الملك قصدًا، ويتعدّى إلى المفعول الثاني تارّةً بنفسِه، وتارةً بحرف الجر، يقال: باعه الشَّيء، وباعَ منه، وربّما دخلتْ اللاّم، فيقال: بعتكَ الشيء، وبعتَ لك الشيء، وباعَ عليه القاضي: أي من غير رضاه، وكذا الشِّراء قال الله عز وجل: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] أي باعوه، ويقع غالبًا على إخراجِ الثَّمنِ عن الملكِ قصدًا.
والبيعُ مشروعٌ:
بالكتاب: وهو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، وهذا إنكارٌ لتسويةِ الكفَّار بينهما، حيث قالوا: إنمّا البيعُ مثل الرّبا إذ الحلُّ والحرمةُ ضدّان فأنّى يتماثلان.
وبالسّنّة: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (( يا معشرَ التّجّارَ إنّ البيعَ يحضره اللَّغو والحلف، فثوّبوه بالصدقة ) )، رواه أبو داود (3: 242) ، ومن حديث قيس بن غزرة - رضي الله عنه: (( وكذا بعثَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والنّاس يتبايعون، فقرّرهم على ذلك ) )، والتَّقريرُ من وجوهِ السُّنّة.
وأجمعت الأمّة على كونِهِ مشروعًا.
وبالمعقول: وهو أنَّ الله تعالى جعلَ الملكَ سببًا لإقامةِ مصالحِ العباد، وشرعَ التِّجارةَ طريقًا إلى الاكتساب، وكلّ ما يحتاجُ إليه كلّ أحدٍ لا يوجدُ مباحًا في كلّ موضع، وفي الأخذِ على سبيلِ التَّغالب فسادٌ، فشرعَ اللهُ أخذَ المالَ بالمالِ بالتَّراضي؛ لطفًا بالعباد، ورغّب إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كما روي عن رافع بن خديج قال: (( قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: عملُ الرَّجلِ بيده وكلُّ بيعٍ مبرور ) )، رواه أحمد (3: 466، [ وفي(( المستدرك ) ) (2: 12) ، وغيره، قال الهيتمي في (( مجمع الزوائد ) ) (4: 60) : وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح] .