الصفحة 3031 من 4657

كتاب القضاء[(1)

(1) وله: كتاب القضاء؛ لمَّا كان أكثرُ المنازعات تقع في البياعات والدِّيون عقّبها بما يقطعُها، وهو قضاءُ القاضي، ولم يقل كتاب: أدب القاضي، كما عنونَ به صاحبُ (( الهداية ) ) (3: 101) ؛ نظرًا إلى أن بيانَ القضاءِ مقصودٌ، وبيانُ الأدبِ متبوعٌ.

والقضاءُ أصلُه قضاي؛ لأنّه من قضيت إلاَّ أن الياءَ لمّا جاءت بعد الألفِ همزت، وقال في (( المصباح ) ) (ص507) : قضيتُ بين الخصمين وعليهما: حكمتُ بينهما، وقضيتُ وطري: بَلَغْتُه ونِلْتُه، وقضيتُ الحاجةَ كذلك، وقضيتُ الحجَّ والدَّين: أدَّيته، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] : أي أدَّيتموها، فالقضاءُ هاهنا بمعنى الأداءِ كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 103] : أي أدَّيتم، واستعملَ القضاءُ في العبادةِ التي تفعلُ خارجَ وقتِها المحدودَ شرعًا، والأداءُ إذا فعلت في الوقتِ المحدود، وهو مخالفٌ للوضعِ اللغوي، لكنَّه اصطلاحيُّ للتميّز بين الوقتين، والقضاءُ مصدرٌ في الكلّ. انتهى.

وقال في (( البحر ) ) (6: 266) : إنّه يستعملُ لغةً بمعنى الحكمِ والفراغِ والهلاكِ والأداءِ والإنهاءِ والمضيّ والصنعِ والتقدير. انتهى. وأمّا معناهُ الشرعيُّ ففصلُ الخصوماتِ وقطعُ المنازعات، نقله في (( البحر ) ) (6: 266) عن (( المحيط ) )، وعرَّفَهُ في (( الفتح ) ) (6: 356) : بالإلزام، وفي (( البدائع ) ) (7: 2) : بالحكمِ بين الناسِ بالحقِّ وهو الثابتُ عند الله تعالى من حكمِ الحادثات: إمّا قطعًا بأن كان عليه دليلٌ قطعيٌّ، وهو النصُّ المفسّر من الكتابِ والسنَّةِ المتواترةِ أو المشهورةِ أو الإجماع، وإمّا ظاهرًا بأن أقامَ عليه دليلًا ظاهرًا يوجبُ غالبَ الرَّأي وأكثرَ الظنّ وهو ظاهرُ الكتابِ والسنّة، ولو خبرَ واحدًا، والقياسُ إلى آخر ما ذكره ببيانٍ طويلٍ لا حاجةَ لنا إلى ذكره هاهنا.

وعرَّفَه العلامةُ قاسمٌ بأنّه إنشاءُ إلزامٍ في مسائلِ الاجتهادِ المتقاربةِ فيما يقعُ فيه النِّزاعِ لمصالحِ الدُّنيا، فخرجَ القضاءُ على خلافِ الإجماع، وما ليس بحادثةٍ من العبادات، وعلى هذا القياس عرَّفوه بعباراتٍ مختلفة، وإشاراتٍ مؤتلفة.

وهو أفضلُ العبادات، وهم أمرُ كلِّ نبيٍّ، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] ، ولولا ذلك لفسدَ العباد، وخربت البلاد، وانتشر الظلمُ والفساد، والحاكمُ نائبُ الله في أرضه في إنصافِ المظلومِ من الظالم، وإيصالِ الحقِّ إلى المستحقّ، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ثم القضاءُ على خمسةٍ أوجه:

واجب: وهو أن يتعيّن له، ولا يوجدُ مَن يصلحُ له غيره؛ لأنّه إذا لم يفعل أدّى إلى تضييع الحكم، فيكونُ قبولُهُ أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وإنصافُ المظلومِ من الظالم.

ومستحبٌّ: وهو أن يوجدَ مَن يصلحُ له غيرُه، لكن هو أصلحُ وأقومُ به.

ومخيَّرٌ فيه: وهو أن يستويَ هو وغيره في الصَّلاحيةِ والقيامِ به.

ومكروهٌ: وهو أن يكون صالحًا للقضاءِ لكن غيرُهُ أصلحُ وأقومُ به.

وحرام: وهو أن يعلمَ من نفسِهِ العجز، وعدمِ الإنصافِ فيه في باطنِهِ من اتِّباعِ الهوى بما لا يعرفه.

ورزقُ القاضي وكفايتُهُ وكفايةُ أهلِهِ وأعوانِهِ ومن يمولهم يكون من بيتِ المال؛ لأنّه محبوسٌ لحقِّ العامّة، فلولا الكفالةُ ربَّما يطمعُ في أموالِ النّاس، وإنّ عمرَ - رضي الله عنه - أعطى شريحًا كلَّ شهرٍ مئة درهم، وأعطاه عليٌّ - رضي الله عنه - كلَّ شهرٍ خمسمئة درهم. كذا في كتبِ السيرِ والحديث.

وركنه: ما يدلُّ عليهِ من قولٍ أو فعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت