الصفحة 3631 من 4657

كتاب المضاربة[ (1)

(1) قوله: كتاب المضاربة؛ وجه مناسبته بالصلح أنّ المضاربةَ كالمصالحةِ من حيث أنّها تقتضي وجودُ البدلِ من جانبٍ واحد.

فإن قلت: إنَّ الصلحَ إذا كان عن مالٍ يكون بيعًا، والبيعُ يقتضي وجوبُهُ المبادلةُ من الجانبين.

قلنا: لا يلزم المناسبةُ من كلِّ الوجوه، وقد اعتبرت هاهنا في قسمين من الصلح: أعني الصلحُ عن إنكارٍ أو سكوت.

والمضاربةُ في اللَّغة: انبازي كردن دوكس بمال وتن. كذا في (( الصراح ) )، مشتقةٌ من: ضربتُ في الأرض: سافرت، وفي (( السير ) ): أسرعت، قال الله تعالى: {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ} [المزمل: 20] ، معنى يسافرونَ في الأرضِ للتِّجارة، وسمّي هذا العقدُ بها؛ لأنَّ المضاربَ يسيرُ في الأرضِ غالبًا لطلبِ الرِّبح، وأهل الحجازِ يسمّون هذا العقد: مقارضةً وقراضًا من القرض، وهو القطع، فإنَّ صاحبَ المالِ يقطع قدرًا من مالِه ويُسَلِّمَه للعامل، وأصحابُنا اختاروا لفظَ المضاربة؛ لموافقةِ لفظ النصّ.

وفي الشرعِ ما ذكرَه المصنِّف - رضي الله عنه - بقوله: هي عقدُ شركةٍ في الربح بمالٍ من أحدٍ وعملٍ من آخر.

وركنُها: الإيجابُ والقبول؛ بأن يقول ربُّ المال: دفعتُ هذا المال إليك مضاربةً أو معاملة، أو خذْ هذا المال واعملْ به على أنَّ ما رزقه الله تعالى بيننا نصفان، أو نحو ذلك من ألفاظٍ تثبتُ بها المضاربة، ويقول المضارب: قبلت ونحوه.

وشرطُها: كون رأسِ المال من الأثمانِ وهو معلوم، وكفت فيه الإشارة، وكونُ رأسِ المالِ مُسَلَّمًا إلى المضارب، وكونُ الرِّبحِ بينهما شائعًا وكونُ نصيبِ كلٍّ منهما معلومًا، كما سيأتيك تفصيلُهُ إن شاءَ الله تعالى.

وحكمُها: ذكره المصنِّف - رضي الله عنه - بقوله: وهي إيداعٌ… الخ، وهي مشروعةٌ بإطلاقِ الآيةِ المذكورة، فإنَّ سفرَ الإنسانِ للتجارةِ قد يكون بمالِ نفسه، وقد يكون بمالِ غيره؛ ولأنَّ من الناس مَن هو صاحبُ المال، وهو لا يهتدي إلى التصرّف فيه، ومنهم مَن هو بالعكس، فشرعت المضاربة؛ لانتظامِ المصالح، وقد بعثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناسَ يتعاملون بها فأقرّهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، وروى ابنُ عبَّاس بن عبد المطلب - رضي الله عنهم - كان إذا دفعَ مالًا شرطَ عليه أن [لا] يسلك به بحرًا، وأن لا ينْزلَ واديًا، ولا يشتري ذاتَ كبدٍ رطب، فإن فعل ذلك ضمنَ، فبلغَ ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسنَه، ذكرَ هذه الروايةِ الزَّيْلَعِيُّ في (( شرح الكَنْز ) ) (5: 52-53) .

وروى مالك (2: 687) - رضي الله عنه - أنَّ عبد الله وعبيد الله بن عمر - رضي الله عنهم - خرجَ إلى العراقِ فأعطاهما أبو موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - من مالِ الله على أن يبتاعا منه متاعًا ويبيعاهُ بالمدينة، ويؤدِّيا رأس المال إلى أميرِ المؤمنين والربحُ لهما، فلمّا قدما المدينةِ ربحا، فقال عمر - رضي الله عنه: أكلَ الجيش أسلفه كما أسلفكما، فقالا: لا، فقال: اِبنا أميرَ المؤمنين أسلفكما أرباح المال وربحه، فراجعه عبد الله - رضي الله عنه -، وقال: ما ينبغي هذا يا أميرَ المؤمنين، لو هلكَ المال أو نقصَ لضمنَّاه، فقال لعمر - رضي الله عنه - بعض جلسائه: لو جعلته قراضًا، فأخذَ عمرُ - رضي الله عنه - المالَ ونصَّفَ ربحَهُ وأعطاهما النصف، ذكر هذهِ الرواية العلامةُ الشُّمُنِّيّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق523) ] ، فصارت مشروعةً بالكتاب والسنّة والإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت