(1) قوله: كتاب الجنايات؛ أورد الجنايات بعد الرّهن؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما للوقاية والصيانة، فإنّ الرّهن وثيقةٌ لصيانةِ المال، وحكمُ الجنايةِ لصيانةِ النفس، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَاب} [البقرة:179] ، ولَمَّا كان المالُ وسيلةً لبقاءِ النفس، قَدَّمَ الرَّهن على الجنايات، بناءً على تقدُّم الوسائل على المقاصد، كذا في أكثر الشروح، وما قال في (( غاية البيان ) ): ولكن قَدَّمَ الرّهنَ؛ لأنّه مشروعٌ بالكتاب والسنة بخلاف الجناية؛ لأنّها محظور، فإنّها عبارةٌ عمّا ليس للإنسان فعلُه؛ ليس بشيء؛ لأنّ المقصودَ بالبيان في كتابِ الجنايات إنّما هو أحكامُ الجنايات دون أنفسها، ولا شكّ أنّ أحكامَها أيضًا مشروعةٌ وثابتةٌ بالكتاب والسنة، وأيضًا لا معنى لتأخيرها من هذه الحيثية، ثمّ إنّ الجنايةَ في اللُّغةِ اسمٌ لما تجنيه من شيء؛ أي تكسبُه، وهي في الأصل مصدرُ جنى عليه شرَّ جناية، وهو عامٌّ في كلِّ ما يقبح بسوء إلا أنّه في الشرع خُصَّ بفعلٍ محرم حلَّ بالنفسِ والأطراف، والأوّل يُسَمَّى قتلًا، وهو فعلُ من العباد تزولُ به الحياة، والثاني يسمى قطعًا وجرحًا، وفي الشروح: الكلامُ في الجنايات من أوجه:
الأوَّلُ: في معرفةِ مشروعيَّتِها.
والثاني: في سبب وجوبها.
والثالث: في تفسيرها لغة.
والرابع: في تفسيرها عند الفقهاء.
والخامس: في ركنها.
والسادس: في شرطها.
والسابع: في حكمها.
أمّا الأوّل فهو معرفةُ مشروعيّتها؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاص} الآية [البقرة:178] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( العمد قود، والقتلُ عدوان ) )، [في (( سنن الدارقطني ) ) (3: 94) ، و (( مصنف ابن أبي شيبة ) ) (5: 260) بلفظ: (( عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العمد قود لا أن يعفو ولي المقتول ) )] .
وسبب مشروعيّة القصاصِ؛ رفعُ الفسادِ من الأرض.
وأما معناه اللُّغويّ فما مرّ آنفًا.
وأمّا في الشرع، فهو اسمٌ لفعلٍ محرّم شرعًا، سواءً كان من مالٍ أو نفس، لكنّه في عرفِ الفقهاء يرادُ به عند إطلاقه اسمُ الجناية الواقعةِ في النَّفسِ والأطرافِ من الآدميّ، والجنايةُ الواقعةُ في المال يسمَّى غصبًا، والجنايةُ الواقعةُ من المحرم أو في الحرم على الصيد جنايةُ المحرم.
وأمّا ركنه؛ فهو القتل، وهو فعلٌ مضافٌ إلى العبادِ تزولُ به الحياة بمجرَّد العادة.
فأمّا شرطُهُ؛ فالمماثلة والمعادلة في الاستيفاء؛ لأنّ المماثلة مشروطةٌ في أجزءة السيئات، وضمان العدوانات.
وأما حكمه؛ فهو وجوبُ القصاصِ أو الدِيَة أو الإثم. هذه خلاصة ما في (( تكملة البحر ) ) (8: 327-328) .