الصفحة 3500 من 4657

كتابُ الإقرار[ (1)

(1) قوله: كتاب الإقرار؛ مناسبتُه لسابقه ظاهرة، فإنَّ المدَّعي إمّا أن يصيرَ له المطلوب، أو ينكره، واللائق بالمسلم الإقرار بالحقّ، كما أنَّ اللائقَ بالمدّعي أن تكون دعواه حقًّا، فقدَّمه على ما بعده، وهو الصلح، والإقرار: أفعال من قرّ الشيء: إذا ثبت، وأقرَّ غيره: إذا أثبته، قال في (( المصباح ) ) (2: 765) : أقرّ الرجل إقرارًا، أصابه بالقُرّ، فهو مَقْرور على غير قياس، وأقرَّه بالشئ: اعترفَ به. انتهى.

وذكر شيخنا الطَّحْطَاويُّ [في (( حاشيته ) ) (3: 326-327) نقلًا عن الحَمَويّ: إذا كان حسيًّا يقال: أقرّه، وإذا كان قوليًّا: يقال أقرَّ به، فالإقرار: إثبات لما كان متزلزلًا بين الجحود والثبوت. انتهى. وفي الشرع: ما بيَّنه المصنّف - رضي الله عنه - بقوله: هو إخبار بحقّ… الخ، وهو ملزمٌ على المقرّ، ولما أقرّ به؛ لوقوعه دلالةً على وجود المخبر به؛ لأنَّ الإقرارَ دائرٌ بين الصدق والكذب، ويترجّح جانبُ الصدق إذ المرء لا يكذبُ على أن المال محبوب للمرء طبعًا، ولا يقول لغيره كاذبًا مع كمال عقله وديانته.

وثبوتُ جوازه بالكتاب والسنّة والإجماع والمعقول:

أمّا بالكتاب، فقوله تعالى: {وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقّ} [البقرة: 282] ، قال في (( المدارك ) ) (1: 136) : لا يكن المملي إلاَّ مَن وجبَ عليه الحقّ؛ لأنّه هو المشهودُ على ثباته في ذمَّته، وإقراره، فيكون ذلك إقرارٌ على نفسه بلسانه، والإملالُ والإملاءُ نعتان. انتهى. وقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْط، شُهَدَاءَ لله وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُم} [النساء: 35] ، والمرادُ به الإقرار كما ذكروه.

وأمّا السنّة: فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ألزمَ ماعز الرَّجمَ بإقراره، والغامدية باعترافها، فيما رواه الشيخان، فإذا وجبَ الحدُّ بإقراره على نفسه، فالمالُ أولى أن يجبَ به.

وأمَّا الإجماعُ: فالأمَّةُ أجمعَت على أنَّ الإقرارَ حجّةٌ في حقِّ نفسه، حتى أوجبوا عليه الحدودَ والقصاصَ بإقراره، وإن لم يكن حجَّة في حقِّ غيره؛ لعدم دلالتِه عليه، فالمال أولى.

وأمّا المعقولُ: فإنَّ العاقلَ لا يقرُّ على نفسه كاذبًا، بما فيه ضررٌ على نفسه أو ماله، فترجّحت جهةُ الصدقِ في حقِّ نفسه؛ لعدمِ التّهمة، وكمال الولاية، بخلاف إقراره في حقِّ غيره، حتى لو أقرَّ مجهولُ النسبِ بالرقّ جاز ذلك على نفسه وماله، ولا يصدق على أولادِه وأُمَّهاتِهم ومدبَّريه ومكاتَبيه، بخلاف ما إذا ثبتَ بالبيّنة؛ لأنَّ البيَّنة إنّما تصيرُ حجَّةً بالقضاء، وللقاضي ولايةٌ عامّةٌ فينفذُ في حقِّ الكلّ، أمّا الإقرارُ فحجٌّةٌ بنفسه، فلا يحتاج فيه إلى القضاء فينفذُ عليه وحده لما ذكرنا، إلاَّ إذا ردَّه المقرُّ له، فيرتدُّ بردِّه. كذا في (( التبيين ) ) (5: 3) ، وغيره.

وأمّا شرطه: فالعقلُ والبلوغُ بلا خلاف، فلا يصحُّ من المجنون والصبي إلاَّ إذا كان الصبيُّ مأذونًا له في التجارة، فيصحُّ إقرارُه؛ لأنَّ الصبيَّ المأذونَ ملحقَ بالبالغِ بحكم الإذن، وكذا المعتوه والمغمى عليه كالمجنون؛ لعدم التمييز، وإقرارُ السكران جائزٌ مطلقًا إذا كان سكره بطريق محظور؛ لأنّه ينافي الخطاب، إلاَّ إذا أقرَّ بما يقبلُ الرجوع كالحدود الخالصة لله تعالى، وإن سكرَ بطريقٍ مباحٍ كالشرب مكرهًا لا يلزمه بشيء، وكذا بشرب المتَّخذ من الحبوب أو العسل عندها، خلافًا لمحمد، وأمّا الحريّة فهي شرطٌ في بعض الأشياء دون بعض، كما سيأتيك إن شاء الله تعالى، وكذا الرضا والطوع شرط، فلا يصحُّ إقرار المكره.

وأمّا ركنه: فالألفاظُ المذكورة فيما يجب به موجب الإقرار على المقرّ، صرَّح به في (( الرمز ) ) (2: 153) ، و (( النهاية ) )وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت