الصفحة 3736 من 4657

(هي تمليكُ عينٍ بلا عوض[(1)

(1) قوله: هي تمليك عين بلا عوض؛ فالتمليكُ إشارة إلى أنَّ الهبة لا تصحُّ إلاَّ ممَّن يقعُ عنه التمليك، وهو الحرُّ العاقلُ البالغُ المالك، فلا تصحُّ من القِنِّ والمكاتبِ والمدبَّر وأمِّ الولد والمجنون والصغير وغيرِ المالك، والمرادُ بالعين: عين المال لا العين المطلق بقرينة التمليك المضاف إليه؛ لأنَّ العينَ الذي ليس بمالٍ لا يفيدُ الملك.

فبقوله: تمليك؛ خرجَ الوديعة، فإنّها أمانةٌ تركتُ للحفظ، فلا يملكها المودَع.

وبقوله: عيّن؛ خرجَت الإجارةُ والإعارةِ لكونها تمليك منفعة.

وبقوله: بلا عوض، خرجَ البيع؛ لكونِها تمليكُ عينٍ بعوض.

ويردُ على هذا التعريف أنّه صادقٌ على الوصية؛ لأنّها أيضًا تمليكُ عينٍ بلا عوض، وإن كان بعد الموت، وعلى الصدقة، ولا يصدقُ على الهبةِ بعوض، فينتقضُ طردًا وعكسًا، فاحتيجَ إلى تكلُّف، وهو أنَّ المرادَ بالتمليكِ هو التمليكُ حالًا بقرينةِ أنَّ قولَ الواهب: وهبتُ؛ لإنشاء الهبةِ حالًا، كبعت، وأنَّ المرادَ بقوله: بلا عوض، بلا شرطِ عوض، لا أنَّ عدمَ العوضِ شرطٌ فيه؛ لينتقضَ التعريف بالهبةِ بشرطِ العوض، لكنَّ الأولى أن يقال: هذا التعريفُ للهبةِ المطلقةِ لا لمطلقِ الهبة، فلا حاجةَ إلى اعتبارِ المرادِ المذكور، فإنَّ فيه حذفُ ما ليسَ له قرينة صريحة، ولإخراجِ الصدقة، قال البِرْجَنْدِيُّ: ويمكنُ أن يقال: هي خارجة، بقوله: بلا عوض، إذ عوضُ المتصدِّق هو الثوابُ غالبًا، وهو عوض. انتهى.

أقول: فيه ما فيه؛ فإنَّ سببَ الهبةِ هو إرادةُ الخيرِ للواهب، سواءً كان دنيويًّا كحسنِ ثناءٍ مثلًا، أو أخرويًّا وهو الثواب كما عرفتَ سابقًا، نعم يمكنُ الرجوعُ إلى القولِ بالتغايرِ الاعتباريّ، وبقيَ هاهنا إشكالٌ قويّ، وهو أنّ هبةَ الطاعاتِ هبةٌ صحيحةٌ عند أهلِ السنّة. كما صرّحوا به، ولا يصدقُ عليه تمليكُ عين، فتدبّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت