الصفحة 3737 من 4657

]، وتصحُّ بوهبت[ (1)

(1) قوله: وتصح بوهبت... الخ؛ إنّما تصحُّ الهبةُ بقوله: وهبت؛ لأنّه صريحٌ فيه، وبقوله: نحلت؛ لأنّه مستعملٌ فيه مجازًا، وكذا بقوله: أعطيتك، فإنّه أيضًا مستعملٌ في الهبةِ مجازًا، يقال: أعطاك الله، ووهبك الله بمعنى واحد، وبقوله: أطعمتُك هذا الطعام لِمَا ذكرَه الشارح - رضي الله عنه -، فإنّ الإطعامَ... الخ، ولعلَّ في إطلاقِ قوله: وتصحُّ بوهبت... الخ؛ إشارةٌ إلى أنَّ الهبةَ تصحُّ وتقعُ بهذه الأقوال وإن صدرت هذه الأقوالُ عن القائلِ مزاحًا. نقله في (( البحر ) ) (7: 284) عن (( الخلاصة ) ).

وقال المَقْدسيُّ: الذي في (( الخلاصة ) ): إنّه طلبَ الهبةَ مزاحًا لا جدًّا فوهبه جدًّا وسَلَّم صحّت الهبة؛ لأنَّ الواهبَ غيرُ مازح، وقد قبلَ الموهوبُ له قبولًا صحيحًا. انتهى. وما نقله صاحب (( التنوير ) )عن (( الخزانة ) )مستدلًا به على ما في (( متنِه ) ) (ص183) لا يفيده، فإنّه نحو ما في (( الخلاصة ) )، وعبارتها: لو قال هبني هذا الشيء على وجهِ المزاح، فقال: وهب وسَلَّمَ جاز. انتهى. وكذا ما في (( القُهُسْتَانِيّ ) ) (2: 59) لا يفيده، ونصُّه: ويدخلُ فيه ما يكونُ على وجهِ المزاح، فلو قال: هبْ لي كذا، فقال: وهبت، وقال الآخر: قبلتُ وسَلَّم إليه جاز. انتهى.

فالحاصلُ إنَّ التسليمَ ينافي المزاح، وهو معتبرٌ في تمامِ الهبة، فالتسليمُ قرينةٌ على أنَّ الهبةَ صدرت من الواهبِ جدًَّا لا مزاحًا، وعن ابنِ المباركِ - رضي الله عنه: إنّه مرَّ على قومِ يضربونَ بالطنبور، فقال لهم: هبوا هذا منّي فدفعوه إليه، فضربَ به الأرض فكسره، فقالوا: يا شيخ خدعتنا. انتهى. قال في (( المنح ) ) (ق2: 217/ب) : وذكر هذه الواقعة في (( الخانية ) ): ثمّ قال: وإنّما قال لهم ذلك احترازًا من قول أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، فإنَّ عنده كسرَ الملاهي يوجبُ الضمان، وهذا دليلٌ على جوازِ هبةِ المازح. انتهى.

وفي قوله: وتصحُّ بوهبت؛ دلالةً على أنَّ القبولَ ليس بركنٍ. كما أشارَ إليه في (( الخلاصة ) )وغيرها، وذكرَ في الكِرْمَانِيّ: إن الإيجابَ في الهبةِ عقدٌ تامّ، وفي (( المبسوط ) ): إنَّ القبضَ كالقبولِ في البيع؛ ولذا لو وهبَ الدَّينَ من الغريمِ لم يفتقر إلى القبول. كما في (( الكبرى ) )، لكن في (( الكافي ) (( التحفة ) ): إنّه ركن، وذكرَ في (( الكِرْمَانِيّ ) ): إنّها تفتقرُ إلى الإيجاب؛ لأنَّ ملكَ الإنسانَ لم ينتقلْ إلى الغيرِ بدونِ تمليكه وإلى القبول؛ لأنّه إلزامُ الملكِ على الغير، وإنّما يحنثُ إذا حلفَ أن لا يهبَ فوهب، ولم يقبل؛ لأنَّ الغرضَ عدمُ إظهارِ الجود، وقد وجدَ الإظهار. ذكره القُهُسْتَانِيُّ في (( شرح النقاية ) ) (2: 60) .

والحاصلُ: إنّهم بعدما اتَّفقوا على ركنيّة الإيجابِ اختلفوا في ركنيّة القبول، فقال صاحب (( التحفة ) ): إنّ ركنها الإيجابُ والقبول، واختارَه القُدُورِيُّ (( مختصره ) ) (ص59) ] ، وصاحب (( الهداية ) ) (3: 224) ، و (( الكافي ) )حيث قال: تصحُّ بالإيجابِ والقبول. انتهى. ووجهه: إنَّ الهبةَ عقدٌ، وكلُّ عقدٍ ينعقدُ بالإيجابِ والقبول، وفيه: إنّ الكبرى ممنوعة؛ لأنَّ عقدَ التبرُّعِ يتمُّ بمجرَّدِ الإيجابِ ولا يفتقرُ إلى القبول، كالصَّدقة. كما صرَّح به في (( الهداية ) ) (3: 224) ، وغيرها، فكذلك الهبة أيضًا.

وقال شيخُ الإسلام: خُواهَر زَادَه: إنَّ الركنَ مجرّد الإيجاب، قال في (( الفتاوى العالمكيريّة ) ): وأما ركنها فقول الواهب: وهبت؛ لأنّه تمليك، وإنّه يتمُّ بالمالكِ وحدّد، والقبضُ شرطٌ ثبوتُ الملكِ للموهوبِ له، حتى لو حلفَ لا يهبُ فوهبَ ولم يقبلْ الآخرُ حنث. كذا في (( محيط السرخسيّ ) ). انتهى. وقال في (( غاية البيان ) ): ولهذا قال علماؤنا: إذا حلفَ لا يهب فوهب ولم يقبل يحنث في يمينه. انتهى. وفيه إنَّ الحنث؛ لأنّه إنّما منعَ نفسه عما في وسعه، وقبولُ الغيرِ ليس في وسعه، فافهم، هذا ما وعدتّه سابقًا، وهاهنا أبحاثٌ نفيسةٌ تركناها لغرابة المقام، ومحلّها مبسوطاتُ الأعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت