ما يدل على انتماء ابن حزم للمحدثين دعوته إلى الإكثار من الرواية، وهذه الدعوى قد حمل لواءها-منذ القدم-أنصار الحديث في وجه أهل الرأي"اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري، وفي عصر مالك وسفيان، وبعد ذلك قوم يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (1) ؛ وكان من نتائج حملة المحدثين على الرأي أن ظهر صراع بين الاتجاهين، فأصحاب الحديث"يعيبون أهل الرأي بأنهم يتركون بعض الأحاديث لأقيستهم.." (2) ؛ بل يعيبونهم بعدم معرفتهم بالسنن"أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحة من سقيمه… (3) ."
وبالمقابل ينتقد أهل الرأي أصحاب الحديث بجمع الرواية والإكثار منها دون فقهها"… وأهل الحديث والأثر، فإن الأكثرين إنما وكدهم: إنما وكدهم: الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ.. ولا يفهمون المعاني، ولا يستنبطون سرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها.. (4) ."
وفي هذا الإطار يمكن فهم دعوى ابن حزم، فهي دعوى تهدف إلى نقد أهل الرأي عموما والمالكية على وجه الخصوص"ولا أضل وأجهل ولا أبعد من الله عز وجل، ممن يزجر عن تبليغ كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأمر بأن لا يكثر من ذلك ثم يفني دهره بالإكثار من تبليغ آراء مالك، وابن قاسم، وسحنون… ألا إن ذلك هو الضلال البعيد، والفتيا بالآراء المضلة المتناقضة وبالله تعالى نعتصم" (5) .
والحديث عن هذه السمات بنقلها تلقائيا إلى الحديث عن ملاحظتين:
(1) -الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ولي الله الدهلوي، ص: 46.
(2) -تاريخ التشريع: الخضري، ص: 144.
(3) -الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ولي الله الدهلوي، ص: 65.
(4) -نفسه 64.
(5) -الإحكام: ابن حزم 2/145.