الملاحظة الأولى: أن تمسك ابن حزم بالحديث يرجع إلى عدة أسباب منها ما هو موضوعي ومنها ما هو إيديولوجي، فالجانب الموضوعي يتمثل في اهتمام ابن حزم بالسنة كمصدر تشريعي. لكن ما هو إيديولوجي يتمثل في استغلال اتجاه المحدثين والحديث لمعارضة أهل الرأي، فمعلوم أن علماء الأندلس كانوا ينقسمون إلى أهل حديث على الرواية المالكية والفقه على الطريقة المالكية (1) وهذا الاتجاه الأخير هو الذي ساد بالأندلس، وكان يعرف باتجاه أهل الرأي، فكان خير وسيلة لمعارضة هذا الاتجاه وتهميشه هو الاعتناء بالحديث ولعل هذا ما ذهب إليه ابن حزم، فاعتنى وانتصر لبقي ابن مخلد في الأندلس ول ينتصر له لأنه نشر مذهب الشافعي، وإنما لأنه نشر رواية ابن أبي الشيبة ولأول مرة في تاريخ الأندلس (2) ، وبنفس الدرجة اعتنى ابن حزم بمذهب ابن حنبل ومذهب الشافعي لصداقتهما لمذهب المحدثين واعتنائهما بالحديث وبالقدر الذي اهتم فيه بهذه المذاهب نازع مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك لتمسكها بالرأي"صوب ابن حزم سهام نقده وتعنيفه لهذين المذهبين لتوسعهما في الرأي.. أما الحنابلة والمحدثون بعامة، فلم يتعرض لهم على الإطلاق…" (3) .
(1) -الإنصاف: ولي الله الدهلوي، ص: 65. انظر محمد بن وضاح القرطبي مع بقي بن مخلد: نوري معمر، ص: 30. انظر كذلك مدخل إلى أصول الفقه المالكي: المختار ولد أباه،
ص: 63.
(2) -المقتبس من أنباء الأندلس: ابن حيان القرطبي، ص: 264.
(3) -الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن 3 الهجري: عبد المجيد محمود،
ص: 396.