فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 262

والناظر إلى هذين الموقفين يلاحظ، وكأن هناك تعارض بين النصوص، لكن الواقع أن الفقهين قد عارضا بينهما على مذهبيتهما في القواعد اللغوية والشرعية والتأويلية، ويظهر ذلك لو وقفنا على محور التعارض.

أولا: آية الاعتبار:

تعتبر آية الاعتبار قاعدة أساسية في الاستدلال على مصداقية القياس"فاعتبروا يا أولي الأبصار" (الحشر:2) ،"هي قاعدتهم بظنهم في القياس" (1) ، ولهذا فكل انطلاقه للتحاج حول القياس تنطلق من قوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار"، وهي انطلاقة تحتم على الفقيه الأصولي أن يتعامل مع هذه الآية من جانبين مهمين: الأول إثبات لغة أن الاعتبار هو القياس، ومن جهة لأخرى تأويل الآية لتحمل على القياس، وإلا لما كان في الآية ما يدل على القياس، فقد انطلق الباجي من المنطلق الأول، فاعتبر هو القياس"فالاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره وإجراء حكمه عليه ومساواته به.." (2) ، ولم يكتف الباجي بذلك، بل أثبت هذا المعنى اعتمادا على ما"روى عن تعلب (رحمه الله) أنه فسر قوله تعالى:"فاعتبروا يا أولي الأبصار""بأن المراد به القياس وأن الاعتبار هو الحق…" (3) ، وإلى هذا التفسير ذهب جل الفقهاء (4) "والاعتبار الشيء بغيره وإجراء حكمه عليه…" (5) ، وقد ذكر بعض الصحابة يفسرون الاعتبار بالتمثيل والتسوية والمقايسة"قال ابن عباس في الأسنان: اعتبر حكمها في الأصابع في أن ديتها متساوية. وقال اعتبر بهذا وقولهم أن في عبرة"معناه أن فيه ما يقتضي جمل غيره عليه…" (6) ، غير أن الفقيه الظاهري قد رفض هذا التفسير"ولا علم أحد قط في اللغة التي نزل بها القرآن أن الاعتبار هو القياس" (7) ."

(1) -الإحكام: ابن حزم 7/75.

(2) -إحكام الفصول: الباجي 553.

(3) -نفسه.

(4) -انظر فصل المقال 28-29 ابن رشد -بيان العلم 2/68-شرح البدخشي 3/15-الإبهاج3/9-10-الروض 255.

(5) -المعتمد: حسين البصري 2/223-224.

(6) -نفسه

(7) -الإحكام: ابن حزم 7/75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت