ثانيا: إن الباجي سيجد ابن حزم مناظرا معاندا عنيفا عصاميا الأمر الذي ستطول معه الجلسات والمناظرات حول بعض القضايا الأصولية، فلا شك أن ابن حزم رجل جدالي وله إلمام كبير بالجدل والمناظرة (1) ، ولعل إلمامه بهذا الجانب يرجع إلى اطلاعه على كتب الأوائل من جهة واطلاعه على الكتب الجدالية المشرقية من جهة أخرى، كل من هذين العاملين قد أكسبا ابن حزم نفسا طويلا في الجدال وأكسبه معرفة هذا الباب، وجداله في الحب تصوير لهذه الميزة"لقد سألني يوما أبو عبد الله محمد بن كليب من أهل القيروان أيام كوني بالمرية، وكان طويل اللسان جدا، متقنا للسؤال في كل فن، فقال لي-وقد جرى ذكر الحب ومعانيه-: اذكره من أحب لقائي وتجنب قريب، فما أصنع قلت: أرى أن تسعى إلى إدخال الروح على نفسك، بلقائه، وإن كره، فقال: لكني لا أرى ذلك، بل أوثر هواه على هواي، ومراده على مرادي، وأصبر، لو كان ذلك الحتف، فقلت له: إني إنما أحببته لنفسي، ولا لتلذاذها بصورته، فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفوا طريقتي، في الرغبة في سرورها، فقال لي، هذا ظلم من القياس أشد من الموت ما تمنى له الموت، وأعز من النفس ما بذلت له النفس، فقلت له: إن بذل نفسك لم يكن اختيارا بل كان اضطرارك بنفسك وإدخالك الحيف عليها، فقال لي: أنت رجل جدلي ولا جدال في الحب يلتفت إليه. إذا كان صاحبه مؤوفا. فقال: وأي آفة أعظم من الحب" (2) .
وكما يصدق هذا الحديث على ابن حزم فإنه يصدق على الباجي، فالباجي لمدة ثلاث عشر سنة (3) وهو مرابط بالمشرق، ومكوثه به جعله يطلع على جل كتب المناظرة المشرقية من جهة والتعرف على علماء المناظرة من جهة أخرى (4) .
(1) -مقدمة محمود علي مكي على كتاب المقتبس: ابن حيان ص: 135-136.
(2) -رسائل ابن حزم 1/158-159.
(3) -نفح الطيب: المقري: المجلد: 2 ص: 71.
(4) -معجم الأدباء: ياقوت الحموي 11/248.