إن هذا المعنى الذي وصل إليه الباجي هو نفسه الذي دافع عنه ابن حزم وهو المعبر عن ظاهريته وعليه فكل من حمل الأمر المجرد على الندب والوجوب، فذلك تعسف إلى النصوص وخروج عن الدين. إن من حمل لفظ الأمر على الاشتراك بين الوجوب والندب قد أخل بما وضعت له اللغة"لكل مسمى من عرض أو جسم رسما يختص به" (1) ، أما حمله على الإباحة، وإن حمله عليها مصداقا لقوله تعالى"إذا حللتم فاصطادوا" (المائدة 2) . فإن هذا الحمل كان بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه لما انحدر إلى منى، ولم يصطد فدل ذلك على أنه ليس بنص" (2) ."
إن ابن حزم لكي يعطي لحمله هذا نوعا من المشروعية أعطى ضوابطا لمعرفة الندب من الوجوب والندب من الإباحة، فلفظ لو إذا دخل على الكلام فهو للندب كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -"لو غسلتم"ولفظ أو"ولا جناح"فهو للإباحة كما في قوله تعالى { فدية من صيام أو صدقة } (البقرة: 196) ، ولفظ"عليكم"فهو للإيجاب كما في قوله تعالى { كتب عليكم القتال } (البقرة: 216) . مشروعية حمل الأمر على الوجوب لا تقتصر على هذه الضوابط بل أسس لها بنصوص من الكتاب:
-قوله تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وغن لم تفعل فما بلغت رسالاته } (المائدة: 69) .
-وقوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } (الأحزاب: 35) .
(1) -الإحكام: ابن حزم 3/3.
(2) -نفسه 3/11 و 79.