فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 262

إن إيمان ابن حزم يحمل كل الشريعة على ظاهرها أدى به إلى مناقشة حمل الأمر بعد الحظر على الوجوب وكذلك حمل الحظر بعد الوجوب على التحريم وهو نفس الموقف الذي أخذ به الباجي، إلا أن الطريقة التي عرض بها ابن حزم هذا المحور تختلف عن طريقة الباجي، فالباجي قد برهن على حمل عن الأمر بعد الحظر على الوجوب بطريقة قياسية"قد أجمعنا على أن لفظ الأمر إذا تجرد عن القرائن اقتضى الوجوب، وهذا لفظ الأمر قد تجرد عن القرائن فاقتضى الوجوب كالمبتدأ" (1) .

أما ابن حزم فقد نظر إلى هذه المسألة في إطار مراتب الشريعة وطبقها على اعتبار أنها نسخ"فإذا نسخ الحظر نظرنا، فإن جاء نسخه بلفظ فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما، وإن كان أتى فعل تقدم النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط، والنهي باق على الاختيار وكذلك الأمر إذا أتى بعده بخلافه فهو متنقل إلى الإباحة والأمر باق على الندب…" (2) .

إن هذه الطريقة التي سار عليها ابن حزم في التعامل مع قضية الحظر بعد الأمر والعكس كانت حاضرة في ذهن الباجي ف"لفظة أفعل إذا وردت بعد الحظر ليس فيها أكثر من انقضاء وقت الحظر وذلك لا يدل على انتقاء الوجوب بعده…" (3) .

إن إتقان ابن حزم والباجي على حمل الأمر على الوجوب والنهي على التحريم ليس بدعة، فقد كان ذلك رأي جمهور الأصوليين"اختلف أهل العلم في صيغة أفعل وما في معناه هل هي حقيقة في الوجوب أم فيه مع غيره فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب أيضا" (4) .

(1) -إحكام الفصول: الباجي، ص: 200.

(2) -الإحكام: ابن حزم 3/77.

(3) -إحكام الفصول: الباجي، ص: 201.

(4) -إرشاد الفحول: الشوكاني، ص: 94 والمعتمد 1/51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت