علمنا بضرورة العقل أنه أمر تعجيز، لأنه لا يتصور أحد أن يصير حجارة أو حديدا، ولو كان أمر تكوين لكانوا كذلك، فلما وجدهم العقل لم يكونوا حجارة ولا حديدا، علم أنه تعجيز" (1) ."
أما الشريعة"فهي أن يأتي نص قرآن أو سنة… أو إجماع على أحد وجوه النقل الذي ذكرنا، كما دل الإجماع على أن اسم أب في قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } (النساء:22) منقول عن الاقتصار على الأب وعلى الأجداد من الأب والأم وإن بعدوا: إلى الآباء من الرضاعة والأجداد من الرضاعة لقوله عليه السلام يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (2) .
إن ابن حزم وإن أشار إلى الدليل الطبيعي أو العقلي فهو لا يشير إليهما إلا نادرا لأنه ليس مراد في أطروحته"من خصص الظاهر أو العموم بقياس أو بدليل خطاب، أو يقول صاحب، فذلك كله باطل" (3) ."وأما من نقل الأمر عن الوجوب إلى الندب، فإنه لا مدخل للعقل فيه" (4) .
إن الدليل الذي يريده ابن حزم هو الدليل النقلي، والنقلي فقط، وسيتضح هذا أكثر لو عدنا بذاكرتنا إلى المفاهيم التالية:
6-من الحقيقة إلى الاستثناءات:
لقد سبق أن ذكرنا أن الحقيقة معناها حمل اللفظ على ظاهره وعلى وجوبه وعلى فوره وعلى عمومه وعلى ناسخه المنقول وعلى حمل الأسماء على مسمياتها، إلا أنه قد تعترض الحقيقة بعض العوارض فتخرجها عن حقيقتها، فهذه العملية مقبولة عند ابن حزم وهي التي تستثنى من حقيقته"الوجوه التي تنقل فيها الأسماء عن مسمياتها، فيخرج بذلك الأمر عن وجوبه إلى سائر وجوهه وعن الفور إلى التراخي وعن الظاهر إلى التأويل وعن العموم لكل ما يقتضي إلى التخصيص بعضه" (5) .
إلا أن الأمر الغير المقبول هو حمل هذه الحقيقة على غير ظاهرها وبدون دليل والدليل الذي يقصده ابن حزم هو الدليل وهذا ما سنظهره من خلال المناقل التالية:
(1) -نفسه 3/137.
(2) -نفسه.
(3) -الإحكام: ابن حزم: 3/139.
(4) -نفسه 3/140.
(5) -نفسه 3/135.