إن الحق-إذن-الذي ادعاه ابن حزم في الظاهر سيدعيه المالكية في الباطن بل يدعيه الباطنية في الظاهر والباطن، فالمالكية من خلال تحليلهم للنصوص لا يفرطون في الدلالة الأولى ولا الدلالة لأن الأولى هي التي تشكل الوضع اللغوي الذي لابد منه"كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء.." (1) ، ويأخذون بالمعنى الثاني لأنه يوقفهم على الدلالة المقصدية من النص، ومن هنا ابتعدوا عن الفرط والتفريط واستقروا على العدل"لكل علم عدلا وطرفا وفرطا وتفريطا والطرفان هما المذمومان والوسط هو المحمود.." (2) ، فالذين أخذوا القرآن بالسان سقطوا في الفرط، ولعله يقصد هنا الظاهرية"والشياطين وهم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال الشاقة إلى سائر ما نقل من خباطهم الذي هو عين الخيال وضحكة السامع نعود بالله من الخذلان" (3) ، أما الذين لم يأخذوا باللسان وأرادوا المقاصد فهذا من المحال الغير الممكن.
إن الشاطبي في هذه العجالة التي ينتقد فيها الخصوم وبالخصوص أهل الظار لا ينسى أن يعطي بعض الأمثلة على ذلك، ناخذ منها واحدا على سبيل المثال لا الحصر. قال تعالى: { أقيموا الصلاة } (البقرة: 110) لا يقتضي النزاع حول صيغته هل هو للوجوب أم للندب ؟ وإنما ينبغي الوقوف عند معناه الباطني وهو"المحافظة على الصلاة والإدامة لها" (4) .
إن هذه الظاهرة التي ذكر الشاطبي تصدق على النصية، فقد أغرقت نفسها في المناقشات الشكلية والصورية لبعض الأوامر دون الوقوف عند مقاصد الشارع من ذلك، وهذا كله لأنها تنفي التعليل ولا تبغي السؤال عن علية الأشياء (5) ، فالله فعال لما يريد، فعلا: { إن ربك فعال لنا يريد } (هود: 107) ولكن ماذا بعد ذلك ؟
(1) -نفسه 3/233.
(2) -نفسه 3/248.
(3) -نفسه 3/236.
(4) -نفسه 3/87-88.
(5) -الإحكام: ابن حزم 4/101- 1/93- 7/15 - 8/112.