-بسند عن جابر بن سمرة قال: سأل رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال: نعم أتوضأ من لحوم الإبل."قال علي: فأورد عليه السلام الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير وأورد الآخر بلفظ الأمر فقط، ولو كان معناهما واحدا، فما كان عليه السلام مبينا للسائل ما سأله وهذا ما لا يظنه مسلم" (1) .
والملاحظ أن أدلة ابن حزم وإن كانت لا ترقى إلى أدلة المتكلمين في حمل الأمر على الوجوب، فهي تحمل في باطنها بعض العلل التي تقوضها:
1-إذا كان هناك إجماع من قبل أهل اللغة على حمل الأمر على الوجوب فلماذا اختلف الفقهاء في ذلك؟
2-قوله تعالى { فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (النور: 63) معناه عدم فعل ما علم أنه واجب عليه"وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب } (2) .
3-وأما قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا اقتضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعصى الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } (الأحزاب: 36) ، فمراده لا يحمل على المعنى الذي يريده ابن حزم من الأمر وغنما يحمل على"اعتقاد وجود المأمور به أو ندبه وفعله على ما هو عليه، إن كان واجبا، فواجب، وإن كان نذبا فنذب" (3) .
4-أما حديث بربرة، فهو عبارة عن سؤال"طلبا للثواب بطاعته" (4) والثواب قد لا يكون بالفعل الواجب فقط بل قد يكون بالفعل المنذوب-كذلك-.
5-أما سؤال الأقرع بن جابس، فليس فيه ما يدل على وجوب الحج من جهتين:
الأولى: لوجوب الحج بقوله تعالى: { لله على الناس حج البيت }
(آل عمران: 97) .
الثانية: السؤال سؤال عن وحدة الفعل أو تكراره لا على وجوب الحج.
(1) -الإحكام: ابن حزم 3/32.
(2) -الإحكام: الآمدي 2/18.
(3) -نفسه.
(4) -نفسه 2/19.