قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه) (رواهما أبو داود في مراسيله) .
لذلك يرى هؤلاء العلماء أن العصمة هي في حدود ما كان له علاقة مباشرة بمهمته عليه الصلاة والسلام، من حيث إبلاغ الرسالة، وبيان أحكام الحلال والحرام.
أما فيما يتعلق بأمور الدنيا من الحرف والصناعات والزراعات، وما له علاقة بالاجتهاد والظن، فإنما يرد إلى طبيعته البشرية، وآرائه الدنيوية القابلة للخطأ والصواب، لذلك نرى أن النووي رحمه الله سلك هذا المسلك في شرحه لحديث تأبير النخل، في باب: وجوب امتثال ما قاله صلى الله عليه و سلم شرعًا، دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي (مسلم بشرح النووي، 13 - 116) .
وقد أوضح الرسول صلى الله عليه و سلم ذلك في طائفة من أقواله وأفعاله، ومنها: حديث: (إنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب) (رواه مسلم) .
والخلاصة التي ننتهي إليها -والله أعلم- أن العصمة إنما تكون في حدود ما تميز به الرسول صلى الله عليه و سلم عن سائر البشر من الوحي وإبلاغ الرسالة، لأن مجرد احتمال الخطأ يعود بالشك والإبطال لمعرفة الوحي أصلًا -لأنه كما هو معلوم: إذا طرأ الاحتمال بطل الاستدلال- وما يقتضيه إبلاغ الرسالة من الخصائص والصفات المعروفة، وأن كل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام عن طريق النقل المعتمد من اجتهاد في هذا المجال هو معصوم، لأنه إما صواب فيقره الوحي، وإما خطأ فيصوبه الوحي، وهذا الرأي هو الذي تطمئن إليه النفس، وتؤيده النصوص الشرعية في الكتاب والسنة.
ونخشى أن نقول: إن المغالاة في أبعاد العصمة، وما يترتب على ذلك من الإطراء والتقديس، يمكن أن تُلغى معها الطبيعة البشرية للرسول عليه الصلاة والسلام، وترفعه إلى مرتبة الألوهية، الأمر الذي يُناقض قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تُطْرُوني كما أَطْرَتْ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) (رواه البخاري عن عمر) .
كما أن هذه المغالاة في العصمة سوف يترتب عليها الكثير من المخاطر العقدية والتربوية .. والأهم -في تقديري، فيما يخص نطاق التأسي- أنها ستُخرج الرسول صلى الله عليه و سلم من أن يكون محلًا للتأسي والاقتداء للبشر، الذي يخطئ ويصيب، إذ كيف يمكن لبشر أن يقتدي