بمن لا يتصف بصفات البشر، ولا يعاني معاناة البشر، ولا يجري عليه ما يجري على البشر من الخطأ والصواب؟
لذلك نقول: إن المشكلة كل المشكلة فيما لو لم يكن الرسول صلى الله عليه و سلم بشرًا، يجري عليه ما يجري على البشر، وليست المشكلة في كون الرسل من البشر، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ولقد أكّد القرآن الكريم هذه النقطة وصوَّبَها، ودحض شبهة المشركين بقوله: (ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا وللبسنا عليهم ما يلبسون) (الأنعام: 9) .
فالذين يغالون في قضية العصمة، ولو بِنِيِّةٍ سليمة وحماس للإسلام ورسوله، يُخرجون الرسول عليه الصلاة والسلام، من حيث يدرون أو لا يدرون، من مجال الاقتداء والتأسي، وبذلك يحاصرون خلود الرسالة وعطاءها في كل زمان ومكان، ويبتعدون بالمثال والأنموذج عن الواقع، وعن إمكانية التطبيق، وقد يقعون في التأليه -والعياذ بالله- كما فعلت اليهود والنصارى.
فالرسول القدوة صلى الله عليه و سلم بشر إنسان، ابتُعث في قومه ومنهم، قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (الجمعة: 2) .
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (التوبة: 128)
إنه صلى الله عليه و سلم بشر إنسان، خضع في حمله وولادته ورضاعه، ويتمه وشبابه وهرمه، ومرضه ووفاته، للسنن الفطرية والقوانين الطبيعية، التي يخضع لها سائر البشر، فلقد كان حمله طبيعيًا، استغرق مدة الحمل نفسها، كما كانت ولادته طبيعية كسائر الولادات، وعانى من فقد الأب والأم ككثير من البشر، وخضع لكفالة الأقارب، وبلغ سن الشباب، وعمل في الأعمال الموجودة في مجتمعه، والتي كان يمارسها قومه كالرعي والتجارة، وتزوج وأنجب، وفقد الابن والبنت والزوجة والصَّدِيق، وتعرّض للأذى والمرض، والنصر والهزيمة، وحَلَّت به جراحات الحرب، مما يمكن أن يحل بكل إنسان، وتعرّض للنسيان كسائر البشر، فعندما نسي في صلاته أكد على بشريته فقال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني) (رواه الشيخان عن ابن مسعود) .. وأعلن أكثر من مرة أنه بشر من البشر، وأن النبوة لم تخرجه عن بشريته، وإنما امتاز عن البشر بالوحي والعصمة في تبليغ الرسالة.
ولعل قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم) ، يعبّر أدق تعبير عن هذه الحقيقة.