امتلاك القدرة على تجريد السيرة النبوية من قيد الزمان والمكان، وتوليد رؤية من خلالها، لمعالجة الواقع والإجابة عن أسئلته ومشكلاته، وإن أية قراءة بعيدة عن هذه الإجابة، أو عاجزة عنها، أو لا تشكل رؤية إضافية، هي تكريس للضياع، وتعطيل لفاعلية السيرة في حياة الأمة .. صحيح أن المسلمين نقلوا السيرة من جيل إلى جيل، فحققوا أمانة النقل والحفظ .. أما قراءة السيرة لكل جيل من خلال مشكلاته ومعاناته والإجابة عن أسئلته، فقد لا يتوفر في المكتبة الإسلامية من ذلك إلا النذر اليسير.
لقد تحولت السيرة في مجتمعات الجهل والتخلف، إلى موالد وموائد وأناشيد وطبول، تشيع فيها البدعة، وتغيب فيها السنة، وتضيع معها الأوقات في الأكل والشرب والطرب!
وإذا نظرنا إلى المشكلة من هذه الزاوية -زاوية قراءة السيرة لكل جيل من خلال مشكلاته- أمكننا القول: إن الكثير من الكتابات في السيرة، التي بين أيدينا، إذا نزعنا عنها تاريخ الطبعة واسم المؤلف، أي إذا نزعنا غلاف الكتاب، لا يمكن أن نعرف لأي عصر تنتسب، وأي مجتمع تُخَاطِب، وفي أي زمن صدرت، ما لم ننظر في اسم المؤلف وتاريخ الطبعة ومكان الصدور.
وقد تكون المشكلة الحقيقية هنا، تكمن في غياب المقاصد الحقيقية، التي تمثل معاني الخلود، عند دارسي السيرة النبوية، الخلود الذي يعني تجردها عن قيود الزمان والمكان، وقدرتها على الإجابة عن مشكلات الأمة في كل زمان ومكان -كما أسلفنا- الأمر الذي جعلها -على أحسن الأحوال- تاريخًا من التاريخ، وليست مصدرًا للتشريع والاهتداء.
ومما لا شك فيه أن السيرة من الناحية الزمانية والناحية المكانية، أي الجغرافيا التاريخية، تمثل حلقة تاريخية من حياة الأمة المسلمة، لكن هذه المرحلة هي من التاريخ، وهي من الحاضر، وهي من المستقبل .. هي من التاريخ والجغرافيا زمانًا ومكانًا، كما أسلفنا، لكنها من الحاضر عطاءًا ومصدرًا للتشريع، ومن المستقبل رؤية واستشرافًا .. فإذا كان التاريخ مصدرًا للدرس والعبرة، فإن السيرة مصدر لذلك وما فوقه، فهي مصدر للتشريع، لأنها فترة مسددة بالوحي ومؤيدة به، وحقبة بيان عملي، ودليل تعامل خالد، لتنزيل قيم الإسلام أو قيم السماء على الواقع البشري، لذلك فأية دراسة للسيرة لا تتحقق بهذه الرؤية، ولا تنطلق من هذه المنطلقات، سوف لا تبلغ المقصد، ولا تحقق الهدف.
إن غياب هذا المنطلق أو هذه الرؤية، أدى من جانب إلى الامتداد والاستمرار والتبحر في فقه الأحكام النظري، سواء في ذلك الفقه الذي يسير خلف المجتمع، ويكتفي بالحكم على تصرفاته