فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 100

بالحلال والحرام، بدل أن ينزل إلى الساحة فيصبغها بفعل الحلال ومنع الحرام، أو الفقه الذي خرج من الحاضر والمستقبل، واستغرقه التنظير بالفراغ بعيدًا عن معالجة المشكلات الحقيقية.

كما أدى غياب هذا المنطلق وهذه الرؤية أيضًا، إلى تراجع أو توقف الاجتهاد في الفقه التطبيقي، أو ما يمكن أن نطلق عليه فقه التنزيل، فتحول الفقه إلى تجريدات ذهنية بعيدة عن الواقع، وبدأ مجتمع المسلمين يتشكل ويحل مشكلاته بالوافد من القوانين والخطط المطلوبة للحياة، التي ابتعدت به عن الفقه التطبيقي، وأصبح الفقه لاحقًا للمشكلات لا سابقًا عليها كي ينير لها الطريق.

وهنا قضية جديرة بالتنبه، وهي أن السيرة النبوية التي اكتملت على عين الوحي وتسديده، والتي هي فعل المعصوم، لها صفة المعيارية الخالدة في الإطار العملي التطبيقي.

والمسيرة الإسلامية، أو أقدار التدين، في ارتفاعها وانخفاضها، والجماعات والأفراد، والجمعيات والمؤسسات، قد تحاول التأسي والاقتداء، وقد يقوم بعض الكتاب والباحثين بنوع من الإسقاط للسيرة على تصرف بعض الجماعات أو الأحزاب أو المؤسسات، لتسويغ بعض الممارسات، وإعطائها صفة المشروعية، سواء في ذلك الدراسات التي تسبق التصرف والممارسة لإعطائه جواز المرور والتبني، أو التي تلحق التصرف لتسويغه وتبريره وإعطائه صفة المشروعية، كأن تُقرأ السيرة حركيًا أو عسكريًا، أو أمنيًا، أو اقتصاديًا، أو تربويًا، أو ما أشبه ذلك من القراءات، وتُفَصَّل حوادثها على تصرفات جماعة أو مؤسسة.

إن هذه القراءات أو هذه الإسقاطات، مهما كانت دقيقة أو غير دقيقة، لا يمكن بحال من الأحوال أن تكتسب صفة القدسية أو العصمة، أو بعبارة أدق صفة المعيارية، وتصبح بديلًا عن السيرة، مهما اقترب الاجتهاد من الصواب وابتعد عن الخطأ، ذلك أن السيرة بما توفر لها من رعاية الوحي، وفعل المعصوم، تبقى لها وحدها صفة المعيارية.

من هنا نقول: إنه من الخطورة بمكان تفصيل قيم السيرة وأحداثها على واقع بعض الجماعات والمؤسسات، لتصبح فيما بعد ممارسة الجماعات والمؤسسات هي المعيار، لأن في ذلك ما فيه من إجهاضٍ لمعاني السيرة النبوية، وقدسيتها. إن ممارسة الجماعات والأفراد والجمعيات والمؤسسات لها صفة التاريخ، الذي يفيد العبرة أو الدرس، ولا تكتسب المعيارية كالسيرة.

ولعل الإشكالية الأكثر خطورة في الكتابة عن السيرة، هي في افتقاد بعض الباحثين والدارسين إلى المرجعية الشرعية، أو النظام المعرفي الإسلامي المستخدم في النظر والتحليل، البعيد عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت