فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 100

الإدراك والإحاطة بمعرفة الوحي، التي تشكل الضابط المنهجي والإطار المرجعي لكل دراسة في المجال الإسلامي بشكل عام، وفي السيرة بشكل أخص، حتى لو جاءت هذه الدراسة من المنتصرين أو المتحمسين للقضية الإسلامية، ذلك أن الإصابات والحفر التي تأتي من قبل المتحمسين المفتقدين للمرجعية الشرعية في النظر والتناول، تكون على المدى البعيد هي الأخطر، لأنها تصنع مشكلة وتساهم بالتشكيل الذهني والثقافي الغلط بدل أن تقدم حلًا، وتزيد من حالة التخاذل الثقافي .. وكأني بحال الذين يُقْدِمُون على أمرٍ، دون امتلاك أدواته ووسائله، يشبه إلى حد بعيد حال بعض وَضَعَةِ الحديث، الذين كانوا يسعون إلى كل قول جميل أو منمق أو مرغوب، وينسبونه إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، كأن يزيدون في العبادات والطاعات، رغبة في الترغيب والترهيب، من عند أنفسهم، وينسبون ذلك إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، وإذا استُنكر عليهم ذلك، واستُشهد بقوله صلى الله عليه و سلم: (من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار) (حديث صحيح متواتر، رواه الشيخان وغيرهما) ، قالوا: إننا نكذب له ولا نكذب عليه .. وفي النهاية، فالكذب له كالكذب عليه، لأن كليهما كذب واستدراك على الشرع، وهي أحاديث موضوعة، كما يقرر علماء مصطلح الحديث.

أما قضية قراءات السيرة بأنظمة معرفية أخرى، رأسمالية، واشتراكية، وعلمانية، وقومية، من الخارج الإسلامي، ومحاولة تقطيعها والانتقاء من أحداثها، وفصلها عن نسقها المعرفي وسياقها ومناسباتها، وذلك نتيجة طبيعية، عندما تصاب الأمة بحالة التخاذل الثقافي، ويصبح تراثها نهبًا لكل سارق، ومستباحًا لكل صاحب هوى، ومشاعًا لكل دَعِي، فعند ذلك تصبح السيرة، ويصبح التراث عامة، مدخلًا أو معبرًا للغزو الفكري، الذي يُعطى المشروعية والقبول في الداخل الإسلامي.

ولسوف تستمر القراءات للسيرة النبوية بأنظمة معرفية من الخارج الإسلامي، وسوف تمتد في الداخل الإسلامي، طالما أن حالة التخاذل الثقافي هي المسيطرة والمتحكمة، ويكتفي الكثير من المسلمين بالتبرك والفخر بالسيرة، دون القدرة على الإفادة من عطائها.

وسوف تستمر القراءات الفاقدة للمرجعية أيضًا، للسيرة النبوية في الداخل الإسلامي، والتي لا تورث إلا تكريس التخاذل الثقافي، طالما لم تأخذ السيرة النبوية البعد المطلوب من الدراسة والتحليل ضمن منهج معرفي واضح، مستمد من القيم والمعايير نفسها، التي جسدتها السيرة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت