فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 100

واقع الناس .. ضمن منهج ينطلق من مقاصد الدين، وخلود وخاتمية الرسالة، وهداية الوحي، وعصمة النبوة، وسلامة النقل، ودراية العقل.

وقد يكون المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، حيث تعاني الأمة ما تعاني على أكثر من صعيد، قراءة السيرة ودراستها دراسة استراتيجية، في مختلف المجالات، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والأمنية، والثقافية.

فإذا كانت السيرة -كما أسلفنا- هي التجسيد الخالد للرسالة، والبيان العملي للقرآن وتنزيله على واقع الناس، الأمر الذي يعني أنها -ومن خلال مسيرة النبوة التي بلغت ثلاثة وعشرين عامًا بين الدعوة والدولة، حتى وصلت إلى مرحلة الكمال والاكتمال، والتي تم خلالها بناء أنموذج الاقتداء- استوعبت جميع الحالات أو أصول الحالات، التي يمكن أن تمر بها البشرية حتى قيام الساعة، يبقى المطلوب من الدراسة الاستراتيجية التي ندعو إليها: الدقة في قراءة الواقع الذي عليه الناس، والإحاطة بعلمه من خلال متخصصين لا متحمسين فحسب، وتحليله بدقة، ومن ثم دراسة وتحليل السيرة -والتحليل المقصود غير النقل- والتفسير للأحداث، ومن ثم تحديد موقع الاقتداء من مسيرة السيرة، أو اكتشاف المرحلة من السيرة التي تمثل حالة الاقتداء وكيفية الاقتداء، من خلال ظروف الحال التي عليها الناس.

وهذا لا يعني بحال من الأحوال سقوطًا في منهج الانتقاء، أو إخضاع السيرة لمنهج الانتقاء والتقطيع -كما يحلو لبعضهم أن يصف ذلك، ويخلط فيما يدعيه من الرؤية الشمولية، بين مرحلة الدعوة ومرحلة الدولة، ومرحلة الضعف ومرحلة التمكين، وبذلك تصبح السيرة عبئًا ومعوقًا بدل أن تكون حلًا هاديًا لمعالجة مشكلات الأمة- وإنما يعني التحقق بالرؤية الشاملة للسيرة، بمراحلها المتعددة، ووضع واقع الأمة في موقعه المناسب من مسيرة السيرة .. ولا أقصد هنا التقسيم الزمني، الذي وقع فيه كثير من الدارسين أو المتحمسين، فبدل أن يدركوا المنهج النبوي ومرونته، ويُسَخِّروا الزمن ضمن الإمكانات المتاحة، أصبحوا هم مسخَّرين للزمن، ومحكومين به، يعانون من حالة التيبس والعطالة، دون النظر للاستطاعة وواقع المجتمع .. لذلك حاولوا تحكيم الزمن بمسيرتهم، فجعلوا ثلاثة عشر عامًا للدعوة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الدولة، فأخفقوا وأحبطوا .. ولا نعني باختيار الموقع المناسب للاقتداء، من خلال مسيرة السيرة، اعتبار ذلك هو الحالة النهائية للاقتداء، وإنما هو اختيار المرحلة التي تتناسب مع الواقع، ودراسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت