فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 100

إمكانات تطوير الواقع، للارتقاء به إلى الحالة الأعلى، وهكذا حتى نصل إلى حالة الكمال والاكتمال.

ولعل الصورة التوقيفية التي انتهى إليها ترتيب سور وآيات القرآن، الذي جاءت السيرة بيانًا عمليًا له، وتجسيدًا لقيمه في واقع الناس، تلقي أضواءً كاشفة وهادية، لكيفية التعامل مع القرآن، ومع بيانه العملي (السيرة) أيضًا في كل المراحل والحالات، التي تتعرض لها الأمة .. فالقرآن الكريم لم تُرتب سوره وآياته حسب أزمنة النزول، كما هو معلوم، ولو كان ذلك كذلك، لكان الزمن هو المتحكم بالإنسان، وإنما جاء الترتيب بالصورة التي هو عليها الآن -والله أعلم- ليكون الإنسان مُسَخِّرًا للزمن ومتحكمًا فيه، ويستطيع أن يحدد الموقع المناسب للاقتداء من خلال قيم القرآن ومسيرة السيرة، بحسب الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة، وطبيعة أقدار التدين، صعودًا وهبوطًا، فلو اقتضى الاقتداء، في ظرف من الظروف، الموقع الأعلى، ومن ثم هبطت أقدار التدين أو أصيبت الإمكانات ببعض العجز، يمكن للإنسان أن يعيد النظر في موقع الاقتداء بحسب الحال التي هو عليها، ولا يخضع لقوالب جامدة، أو لتحكم زمني خارج عن قدرته وإرادته واستطاعته.

وإذا لم تدرس السيرة بهذه الرؤية المنهجية، الاستراتيجية، التي تمكن من الإجابة عن أسئلة الواقع، ومعالجة مشكلاته، فسوف تبقى في خانة التبرك والفخر، أو الخلط بين الأُمنيات والإمكانات .. بين مراحل الدعوة والدولة، والقوة والضعف، والنصر والهزيمة، والسلطان والقرآن، مهما ادعينا غير ذلك.

ويبقى السؤال المطروح دائمًا على الدارسين والباحثين والأكاديميين والمفكرين: كيف نتعامل مع السيرة في هذه المرحلة، وكيف يكون الاقتداء؟

إن الواقع يتغير من حولنا، ووسائلنا في العمل والاقتداء وقراءة قيمنا في الكتاب والسنة والسيرة لا تتغير، ونواجه الحالات المتنوعة والمختلفة بوسائل واحدة، على عكس منهج السيرة النبوية التي اتخذت لكل مرحلة ما يناسبها من الوسائل .. ويكفي هنا، من مئات الأمثلة، ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم لعمار بن ياسر عندما أذن له بنطق كلمة الكفر للخلاص من الأذى، طالما أن قلبه مطمئن بالإيمان، ونزل في ذلك قرآن خالدٌ يُتلى على الزمن، لأن هذه الحالة يمكن أن تتكرر على الزمن، وكان مما قاله: (إن عادوا فعد!) (رواه البيهقي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت