وتبقى قضية أعتقد أنها من الأهمية بمكان في مجال الاقتداء، وهي أن الآية التي وردت بالاقتداء في قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا * ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا) (الأحزاب: 21 - 22) ، نزلت بمناسبة غزوة الأحزاب، حيث رمى العربُ المسلمين عن قوس واحدة، وحيث زُلزلت النفوسُ، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وكاد أن يهتز الاقتداء، لتَخَلُّفِ النصر والنتائج بشكل عام .. جاءت لتؤكد أن الاقتداء إنما يكون في مواطن الشدة والصبر، والبأس والضيق، ومؤشرات فوات الحياة الدنيا، وتبين كيف أن الارتباط بالآخرة، هو سبيل الصمود والحماية من السقوط .. فالاقتداء لا يكون باليسر دون العسر .. والاقتداء لا يكون بالكماليات من مقاصد الشريعة دون الضروريات والحاجيات .. والاقتداء لا يكون بالأشكال دون الأفعال.
ونحن هنا لا نحط من قدر الاقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم في طعامه وشرابه ولباسه ونومه ويقظته، وعاداته وسننه كلها، لأن ذلك يعتبر تربويًا من الأهمية بمكان في صياغة الشخصية وبنائها، على طريقة التربية النبوية، ولكن نقول: إن للدين مقاصد تتمثل في تحقيق ضروريات لا تقوم الحياة إلا بها، وحاجيات لا تُحمى وتقام الضروريات إلا بتوفيرها، وكماليات وتحسينيات تعتبر أمورًا جمالية، انعدامها قد لا يؤثر في قيام الحياة.
لذلك، تبقى المشكلة التي نعاني منها اليوم، هي في الحرص على الاقتداء بالتحسينيات، والتخاذل عن الاقتداء بالضروريات والمقاصد الكبرى. هذه قضية، وقضية أخرى لعل تحرير القول فيها أصبح ضروريًا، بعد أن تحوّل العقل المسلم المعاصر من التوكل إلى التواكل والإرجاء، والعجز عن التعامل مع الحياة، وتقويم مسيرتها .. لقد خرجنا من الحياة، وافتقدنا القدرة على التعامل مع مشكلاتها في ضوء السيرة النبوية، وانتهينا إلى المقابر، سواء في ذلك من يعتبر الأموات سبيلًا لحل مشكلاته فيستغيث بهم، أو من يعتبر الأموات سببًا لمشكلته فيرى معركته معهم، أو من حاول ستر عجزه عن التأسي والاقتداء بالسيرة، وذلك بالخروج وإسقاط عجزه عليها واستدعاء (الآخر) .
والقضية التي نعرض لها هي: أن مسيرة السيرة النبوية كلها، تحققت من خلال التعامل مع السنن الجارية، التي تقتضيها بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم، وتحتملها عزمات البشر، لتكون السيرة محلًا للاقتداء وإعادة البناء للبشر في كل زمان ومكان، لذلك لابد من أخذ هذا