فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 100

المنطلق بعين الاعتبار أثناء الاقتداء وكيفية الاقتداء، ذلك أن الاقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم لا يعني العطالة عن العمل، والانسحاب من الحياة، وانطفاء الفاعلية، والتحول إلى الاستغاثة به، ولا يعني العدول عن السنن الجارية إلى طلب السنن الخارقة، لأن ذلك باب لإشاعة الخرافة والبدعة، وتغييب السنة، التي هي القانون الجاري.

ولعل من الأمور الملفتة للنظر حقًا، تسمية طريقة الرسول صلى الله عليه و سلم في التعامل مع الحياة والأحياء، سنة، بكل ما تحمل هذه التسمية من دلالات في المنهج والقانونية والاطراد.

إن آية الاقتداء نزلت -كما أسلفنا- وقد بلغت القلوبُ الحناجرَ، والصحابة يستنجدون بالرسول صلى الله عليه و سلم، الذي كان يشارك في حفر الخندق، عندما واجهتهم صخرة كبيرة، وعجزوا عن تفتيتها، ليعاونهم في ذلك، فأخذ فأسه وضربها، محاولًا تفتيتها طبقًا للسنن الجارية في الحياة، وكله أمل في النصرة للإسلام، والسقوط الحضاري للباطل.

فقيمة الاقتداء وفائدته وعطاؤه، وعظيم ثوابه، عندما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة، التي قد يمتحن صاحبها في صدق إيمانه وقوة يقينه، فتفوته بعض النتائج في الدنيا، ويخسر المعركة، لكن الاقتداء يحميه ويحول بينه وبين السقوط، ويرتفع به من الوقوف عند النتائج القريبة، إلى إبصار العواقب والمآلات .. ذلك أن نقطة الارتكاز في الاقتداء، هي رجاء الله واليوم الآخر، واستمرار الذكر الذي يجلي هذه الحقيقة، ويؤكد حضورها واستمرارها.

قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) (الأحزاب: 21) .

وبعد:

فالكتاب الذي نقدمه، محاولة جادة لإبصار بعض الملامح الغائبة في دراسة السيرة، فهو يفتح نافذة، ويحرّك العقل المسلم تجاه بعض الأبعاد المطلوبة، لمواقع الاقتداء والتأسي، وخاصة رصد الحس الأمني لحماية منجزات الدعوة، وتأمين مسيرتها، التي لم تحظ بدراسات تحليلية ومتعمقة بالقدر الكافي، وتحتاج إلى كثير من التأمل والتحليل والتنهيج، حتى تشكل رؤية منهجية معرفية للاقتداء والتأسي في الظروف المختلفة.

وهذه المحاولة يمكن أن تعتبر إحدى المساهمات المقدورة لدراسات في السيرة على الأصعدة المتعددة، يمكن أن تُعمق وتُؤصل وتُغْنَى بدراسات ونظرات متجددة في ضوء الظروف والمشكلات، التي تعاني منها الأمة، حتى تأخذ السيرة موقعها الصحيح من مسيرة الدعوة والأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت