وقول المصنِّف رحمه الله: إن الظنَّ هو التجويز، فيه مسامحة، فإنَّ الظن ليس هو التَّجويز، وإنما هو الطَّرف الراجح من المجوَّزين -بفتح الواو-، والطَّرفُ المرجوحُ المقابلُ له يقال له وَهْمٌ.
(والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما عَلَى الآخَر) عند المجوِّز -بكسر الواو-.
والتردد في ثبوت قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان أحدهما ظَنٌّ للطَّرفِ الرَّاجِحِ، ووَهْمٌ للطَّرف المرجوح.
(وَ) علم (أُصُول الفِقْهِ) الذي وُضعت فيه هذه الورقات (طُرُقُهُ) ، أي طرق الفقه الموصلة إليه، (عَلَى سَبِيلِ الإجْمَالِ) ، كالكلام على مطلق الأمر والنهي وفعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس والاستصحاب والعام والخاص والمجمل والمبين وغير ذلك، المبحوث عن أوَّلها بأنه للوجوب حقيقة، وعن الثاني بأنه للحُرمة كذلك، وعن البواقي بأنها حُجَجٌ وغير ذلك مما سيأتي.
بخلافِ طُرق الفقه الموصلة إليه على سبيل التعيين والتفصيل، بحيث أنَّ كلَّ طريقٍ توصل إلى مسألة جزئية تدلُّ على حكمها نَصًَّا أو استنباطًا، نحو: {أقيموا الصلاة} ، {ولا تقربوا الزنى} ، وصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة كما أخرجه الشيخان [1] ، والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لها، وقياس الأرز على البُّرِّ في امتناع بيعِ بعضِه ببعض إلا مثلًا بمثل يدًا بيد كما رواه مسلم [2] ، واستصحاب العصمة لمن يشك في بقائها، فإن هذه الطرق ليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه -يعنى أصول الفقه- تمثيلًا.
(1) فتح الباري (1/ 578) ، وصحيح مسلم (2/ 966) .
(2) والبخاري أيضًا، انظر: فتح الباري (4/ 378) ، وصحيح مسلم (3/ 1211) .