وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولقد هَمَمْتُ أن آمرَ بالصلاةِ، فَتُقامَ، ثم آمُرَ رجلًا بصلِّي بالناس" إلى آخره؛ الهمُّ بالشيء، غيرُ فعله.
واختلف في الألف واللام، في "الصلاة" ؛ هل هي لمعهودِ صلاةٍ، أو للجنسِ؟
فمن قال: للعهد، اختلف فيها؛ ففي رواية: أنها العشاء، وفي رواية: أنها الجمعة.
ومن قال: للجنس؛ حملَه على جميع الصلوات، مطلقًا؛ وكلُّه صحيح لا منافاة فيه.
ثم اختلف في هؤلاء القوم؛ المتخلفين عن الصلاة:
فقيل: كانوا منافقين، وسياقُ الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن ذلك بالمؤمنين من الصحابة؛ من تركهم الصلاةَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي مسجده.
وقيل: يحتمل أن ذلك التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهموه مانعًا، ولم يكن كذلك، ويؤيد هذا التأويل؛ ما رواه أبو داود زيادة على هذا الحديث، فقال: "لقد هَمَمْتُ أن آمرَ فِتْيتي، فَيَجْمَعوا حُزَمًا من حَطَبٍ، ثم آتيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ في بُيوتهم؛ ليستْ بهم عِلَّة؛ فَأُحَرِّقَها عَلَيْهِمْ" (١) ، والمنافقون لا يصلُّون في بيوتهم؛ إنما يصلُّون في الجماعة؛ رياءً وسمعة، وأما إذا خَلَوا؛ فكما وصفَهم الله: من الكفر، والاستهزاء.
وعلى هذا التأويل تكون هذه الجماعةُ المهدَّدُ على التخلُّف عنها: هي الجمعة؛ كما نصَّ عليه في حديث عبد الله بن مسعود؛ فيُحمل المطلقُ منها، على المقيد.
وهَمُّهُ - صلى الله عليه وسلم - بإتيانهم بعدَ إقامة الصلاة، برجلٍ يصلِّي بالناس؛ لتتحقق مخالفتُهم، وتخلفهم؛ فيتوجَّهَ اللومُ عليهم.