فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 3529

الأول: لم يرد في القرآن - قط - ما هو خلاف الحق ؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد ثبتت هذه الحقيقة في كل مجالات البحوث التى أجريت على"مفاهيم"القرآن العظيم في كل العصور. وهذا الداعى وحده كافٍ في تأييد ما ذهبنا إليه.

الثانى: وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان: كل من التوراة والقرآن متفقان على"عفة يوسف"وإعراضه عن الفحشاء. ثم اختلفا بعد ذلك:

فالتوراة تقول: إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب .

والقرآن يقول: إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف ولما لم يتوقف يوسف عليه السلام اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة في ثوبه.

فأى الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين ؟! أن يترك ثوبه كله ؟! أم أن يُخرق ثوبه من الخلف ؟!

إذا سلمنا برواية التوراة فيوسف ليس"عفيفًا"والمرأة على حق في دعواها ؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا سليمًا إلا إذا كان هو الراغب وهى الآبية.

ولا يقال إن المرأة هى التى أخلعته ثوبه ؛ لأن يوسف رجل ، وهى امرأة فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة ، ثم لما يمتنع تحتفظ هى بالثوب كدليل مادى على جنايته المشينة ؟!

وهل خرج يوسف"عريانًا"وترك ثوبه لدى غريمته..؟!

والخلاصة أن رواية التوراة فيها إدانة صريحة ليوسف وهذا يتنافى مع العفة التى وافقت فيها القرآن الأمين.

أما رواية القرآن فهى إدانة صريحة لامرأة العزيز ، وبراءة كاملة ليوسف عليه السلام .

لقد دعته المرأة إلى نفسها ففر منها. فأدركته وأمسكته من الخلف وهو ما يزال فارًا هاربًا من وجهها فتعرض ثوبه لعمليتى جذب عنيفتين إحداهما إلى الخلف بفعل المرأة والثانية إلى الأمام بحركة يوسف فانقطع ثوبه من الخلف.

وهذا يتفق تمامًا مع العفة المشهود بها ليوسف في المصدرين ولهذا قلنا: إن القرآن صحح هذا الخطأ الوارد في التوراة.

فهل القرآن مقتبس من التوراة ؟!

فهل تنطبق على القرآن أسس الاقتباس أم هو ذو سلطان خاص به فيما يقول ويقرر ؟.

المقتبس لا بد من أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها. وها نحن قد رأينا القرآن يتجاوز هذه الأسس فيأتى بجديد لم يذكر فيما سواه ، ويصحح خطأ وقع فيه ما سواه.

فليس الاختلاف فيها اختلاف حَبْكٍ وصياغة ، وإنما هو اختلاف يشمل الأصول والفروع. هذا بالإضافة إلى إحكام البناء وعفة الألفاظ وشرف المعانى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت