الغزو الروسي يكتسب وقتها زخمًا إسلاميًا عالميًا، بعد أن أخذت القضية الأفغانية بُعدًا اعتقاديًا، جمع حولها قلوب المسلمين أفرادًا وجماعات ومجتمعات، بينما كانت قضية فلسطين ـ الأكبر والأخطر والأقدم ـ تعاني إهمالًا واضحًا، وضمورًا لافتًا في الضمائر، انعكس على ما تترجمه السرائر والظواهر .. !
لم يكن على الساحة الفلسطينية ـ حتى ذلك الوقت ـ بروز يُذكر لأي تجمع إسلامي شعبي يجاهد لأجل تحرير فلسطين، بالرغم من مضي زمان يزيد على زمن التيه من احتلالها، بينما وُجد في أفغانستان في غضون سنوات قلائل، جمع من المنظمات الجهادية، ظلت تنازل أكبر جيش في العالم في ذلك الوقت حتى أخضعته وأخرجته صاغرًا من الأرض الأفغانية!
لقد كان الجزء الأكبر من الإجابة على ذلك السؤال:"لماذا أفغانستان وليس فلسطين؟!"يكمن في وصف الحال هنا ووصفه هناك؛ حيث كان الفرق الكبير هو أن القضية الأفغانية أخذت بُعدها الإسلامي الاعتقادي إعلاميًا وسياسيًا بشكلٍ كافٍ؛ بينما كان أسر الإسرائيليين لفلسطين يكتسب الضمانات والحصانات من العلمانية العربية والفلسطينية التي ميَّعت القضية بخطاب بارد جاف، منزوع العقيدة، فاقد التأثير في قلوب المسلمين وعقولهم.
إن هذه الأمة مهما اعتورها من دَخَن أو دَخَل خارجي، هي في جوهرها الداخلي إسلامية القلب، إيمانية الوجهة، ولا يستطيع أن يؤثر فيها أو يأسر قلبها إلا من خاطبها بلسان الإسلام والإيمان، حتى ولو كان ذلك بالمظاهر والشعارات؛ فهي قد تُخدَع لمن خدعها بالإسلام، ولكنها تصدُق مع من صَدَقها في خطاب الإيمان.
وقد فهم أعداء الأمة هذا جيدًا، فكانوا حريصين كل الحرص على ألاَّ يخاطبها أحد بذلك الخطاب الإسلامي إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم، في حين لا يزعجهم كثيرًا خطاب الشعارات المائعة، قومية أو وطنية، ثورية أو ليبرالية؛ فهي وإن علا صوتها وتزاحم ضجيجها، فإنها لا تعدو أن تكون قعقعة في بطن جوعان أو زوبعة في قعر فنجان!!
وهذا ما حدث عندما خاض العرب تحت تلك الرايات والشعارات حروب الهزائم الكبرى، مستبعدين الإسلام، متجاهلين المسلمين غير العرب، لتظل هذه القضية، قضية (قومية عربية) علمانية .. لم تلبث أن تحولت إلى قضية (وطنية فلسطينية) علمانية أيضًا. لكن لما ظهرت التوجهات الإسلامية في فلسطين على يد حماس والجهاد الإسلامي، كان واضحًا أن هناك تغيرًا طرأ على الساحة الفلسطينية، وهو قابل للتطور باتجاه (أسلمة القضية) وهنا قال العلمانيون .. وقال الإسرائيليون والأمريكيون قبلهم: لا ... ! ولهذا كانت (مدريد)